د. خضر عيد السرحان
في علم السياسة، تُعد القدرة على بناء التحالفات وتحديد العدو بدقة معياراً لنجاح الدولة وقوتها. غير أن الاستراتيجية الإيرانية الراهنة في التعامل مع الجوار العربي، وتحديداً تجاه المملكة الأردنية الهاشمية ودول الخليج العربي، تعكس خللاً بنيوياً في تقدير الموقف الاستراتيجي؛ إذ تتبنى طهران نهجاً يبدو وكأنه يتصيد خلق الأعداء بدلاً من تحييدهم، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الجدوى السياسية والمنطق العسكري لهذا السلوك.
خطأ "التماثل في العداء" يقع صانع القرار في طهران في فخ استراتيجي عندما يعامل دول الجوار العربي -التي قد تشترك معه في ثوابت قومية ودينية- بالمنطق الأمني العنيف ذاته الذي يوجهه لخصومه. إن استهداف الأراضي العربية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيرة، يُعد في العقيدة السياسية الأردنية والعربية خطاً أحمر لا يقبل التأويل؛ فاستحضار مقولة الشهيد وصفي التل بأن "حينما يتعلق الامر بالوطن لا فرق بين الخيانة والخطأ"، يؤكد أن المساس بالسيادة الوطنية هو فعل عدائي لا يمكن تبريره بأي ذريعة استراتيجية.
ايران و تقديم الخدمة المجانية لخصومها: من المفارقات الجيوسياسية أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري واستخدامها القوة المباشرة والعلنية ضد القيادات الإيرانية، عجزت طويلاً عن حشد تحالف إقليمي مؤيد لضرباتها ضد طهران. وبالمقابل، فإن السلوك الإيراني غير المحسوب تجاه الأشقاء العرب قد منح إسرائيل "هدية استراتيجية"، حيث خلق حالة من الاصطفاف الشعبي والرسمي العربي ضد إيران، وهو ما كانت تحلم به تل أبيب لتقويض أي تقارب إقليمي عربي-إيراني. إن أي صاروخ إيراني يقع على أرض عربية يحول البوصلة الشعبية من التعاطف مع "المواجهة ضد الاحتلال" إلى التنديد بـ "العدوان الإيراني"، وهو ما يخدم في نهاية المطاف المصالح الإسرائيلية.
تناقض الأهداف العسكرية: يظل التساؤل العلمي قائماً: لماذا تتوجه القدرات العسكرية الإيرانية نحو الجيران، بينما تظل الفعالية في مواجهة التهديد المباشر المعلن (إسرائيل) محل تساؤل؟ إن الدول العربية، تاريخياً، لم تكن يوماً طرفاً في استراتيجية استهداف النظام الإيراني، بل كان هناك تطلعات دائمة لنموذج "الأمن الإقليمي التشاركي" الذي يخدم استقرار المنطقة ونهضتها. إن الانحراف عن هذا المسار نحو التصعيد العسكري مع العرب هو استنزاف للموارد، وتبديد للرصيد الشعبي، وخسارة للعمق الاستراتيجي.
ضرورة المراجعة الرشيدة للقرات الإيرانية: إن أي استراتيجية لا تفرق بين الحليف (أو الجار الطبيعي) والعدو هي استراتيجية محكوم عليها بالفشل. إن التوهم بأن الترهيب العسكري للأردن أو دول الخليج سيولد تعاطفاً أو يفرض نفوذاً هو قراءة مغلوطة للواقع؛ فالدفاع عن الوطن هو عقيدة راسخة توحد الشعوب خلف قياداتها.
إن على العقل السياسي الإيراني إعادة قراءة المشهد الإقليمي بعيداً عن أوهام القوة العابرة؛ فالعدو الحقيقي الذي يهدد استقرار المنطقة هو من يمارس سياسات التوسع والاحتلال، أما الجار العربي، فهو الطرف الذي ما زال يطمح إلى علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، والعمل المشترك من أجل السلام والازدهار.



