شريط الأخبار
الإغاثة اللبنانية: مساعدات الأردن تزيد القدرة على مواجهة أزمة النزوح الحرب متواصلة بين إيران والولايات المتحدة وتتركز حول مضيق هرمز الكساسبة يؤدي اليمين الدستورية في مجلس النواب الأحد احالات على التقاعد في الامن العام ( اسماء ) جدول ومواقع فعاليات الأسبوع الرابع لـ"مهرجان صيف الأردن" ليوم غد الجمعة غنيمات تشارك في أشغال الافتتاح الرسمي لمؤتمر “حوار الحضارات في صميم الكرامة الإنسانية” بالمغرب رئيس الديوان الملكي الهاشمي يتفقد مشاريع مبادرات ملكية في البلقاء وإربد إحالة عدد من ضباط الأمن العام ما بين عمداء وعقداء إلى التقاعد. *"كفى جلداً للذات... لنبنِ وطناً يكتفي بنفسه"* "مقال مهني متكامل"* عن واقع المؤسسات الإنتاجية في الأردن: *"دولة المؤسسات... بين النص القانوني وروح القانون"* *"الحرب في فلسطين"*... *"هي حرب عقيدة"*... *"حرب بين الحق والباطل"*... *"بين الإيمان والكفر"*. إلغاء امتحان الشامل .. ضوابط جديدة للتجسير تصون العدالة وزير الثقافة يلتقي السفير الأميركي لدى الأردن مصفاة البترول تكرّم عددا من متقاعديها وموظفيها بالصور.. د.الحوراني يرعى احتفال عمان الاهلية لليوم الثاني بتخريج طلبة الفصل الثاني من الفوج 33 المهندس العدوان : باشرت بلدية ناعور بتنفيذ حملة حمله رش بالمبيدات الحشرية في مناطقها نتنياهو لن يسافر إلى الولايات المتحدة .. مكتبه يكشف السبب الاتحاد الأوروبي: نحو 1.6 مليار يورو لدعم مشروع الناقل الوطني للمياه الصبيحي يتساءل ​هل تلغي إدارة الضمان ازدواجية الاشتراك مجدداً؟ الكرملين: نتواصل مع إيران وقلقون من أضرار التصعيد على اقتصاد العالم

الاقتصاد الأردني في ظل المتغيرات الإقليمية

الاقتصاد الأردني في ظل المتغيرات الإقليمية
استقرار يحمي الدولة ونمو لا يزال يبحث عن أثره في حياة الناس

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

لا يمكن قراءة واقع الاقتصاد الأردني بمعزل عما يجري حوله. فالأردن يقع في إقليم لم يعرف الاستقرار الكامل منذ عقود، لكنه يواجه اليوم ظروفاً أكثر تعقيداً بسبب الحروب، واضطراب طرق التجارة، وارتفاع كلف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة، وتراجع حركة السياحة عند كل تصعيد سياسي أو أمني.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي إنجازاً مهماً. لكنه لا يكفي وحده. فالمواطن لا يقيس قوة الاقتصاد بحجم الاحتياطيات أو سلامة المؤشرات النقدية فقط، بل يقيسها بفرصة العمل، وقدرته على تحمل تكاليف المعيشة، ومستوى دخله، ومستقبل أبنائه.

هذه المسافة بين استقرار المؤشرات وصعوبة الواقع المعيشي تمثل جوهر التحدي الاقتصادي الأردني اليوم.

حقق الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بلغ نحو 2.9 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 2.7 بالمئة في الفترة نفسها من العام السابق. كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو السنوي نحو 2.7 بالمئة خلال عام 2026، بعد أن كان متوقعاً أن يصل إلى 3 بالمئة قبل اشتداد الاضطرابات الإقليمية.

هذه النسبة تؤكد أن الاقتصاد يتحرك في الاتجاه الإيجابي، لكنها تبقى أقل من المستوى المطلوب لإحداث تحول واسع في سوق العمل. فالاقتصاد الذي تنمو قوة العمل فيه بسرعة، ويستقبل عشرات الآلاف من الباحثين الجدد عن وظائف كل عام، يحتاج إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استمرارية، وإلى قطاعات تستطيع توظيف أعداد كبيرة من الشباب.

وتظهر الأرقام حجم الفجوة بوضوح. فقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21.1 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل 21.3 بالمئة في الربع نفسه من عام 2025. وبلغت البطالة بين الرجال الأردنيين 17.9 بالمئة، في حين وصلت بين الأردنيات إلى 32.7 بالمئة. كما أن 60.1 بالمئة من الأردنيين المتعطلين يحملون شهادة الثانوية العامة فأعلى، ما يدل على أن المشكلة لا تتعلق بقلة التعليم وحدها، بل بضعف التوافق بين التخصصات والمهارات والفرص المتاحة.

وهنا نصل إلى أول استنتاج أساسي. الاقتصاد الأردني يحقق نمواً، لكن هذا النمو لا يزال أقل من أن يتحول إلى تشغيل واسع. وقد يكون النشاط الاقتصادي جيداً في قطاعات معينة، لكن أثره يبقى محدوداً إذا اعتمد على التكنولوجيا أو رأس المال أكثر من اعتماده على العمالة، أو إذا تركز في العاصمة وبعض المدن الكبرى دون أن يصل إلى المحافظات.

وفي المقابل، نجح الأردن في المحافظة على مستوى منخفض من التضخم مقارنة بدول كثيرة في المنطقة والعالم. فقد بلغ التضخم نحو 1.4 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، بينما تشير بيانات البنك المركزي إلى بقائه عند مستويات معتدلة خلال الأشهر التالية. ويعكس ذلك قدرة السياسة النقدية على حماية الاستقرار السعري والحد من انتقال الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلية.

غير أن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار. فهو يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لكنها قد تبقى مرتفعة مقارنة بدخول الأسر. فالمواطن الذي ارتفعت عليه كلفة الغذاء والسكن والتعليم والنقل خلال السنوات السابقة لن يشعر بتحسن كبير لمجرد أن معدل الزيادة السنوية أصبح أقل، ما لم يرتفع دخله الحقيقي بالتوازي.

أما على المستوى النقدي، فقد بلغت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي نحو 28.2 مليار دولار في نهاية شباط 2026، وكانت تكفي لتغطية نحو 9.9 أشهر من مستوردات المملكة من السلع والخدمات. وبلغت وفق مؤشرات أحدث نحو 26.1 مليار دولار، بما يوفر للأردن هامشاً مهماً لمواجهة الصدمات الخارجية والمحافظة على استقرار الدينار.

ولا يجوز التقليل من أهمية هذا الرقم. فالأردن يستورد معظم احتياجاته من الطاقة وجزءاً كبيراً من الغذاء والمواد الأولية. لذلك فإن الاحتياطيات القوية لا تمثل رقماً مصرفياً جامداً، بل تشكل حماية لقدرة الدولة على تمويل المستوردات والحفاظ على الثقة بالعملة الوطنية.

لكن قوة الاحتياطيات تكشف في الوقت نفسه طبيعة الاقتصاد الأردني. فهو اقتصاد شديد الارتباط بالخارج، ويتأثر بحركة السياحة والتحويلات والمنح والاستثمار والصادرات وكلفة الواردات. وأي اضطراب في هذه المسارات يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الموازنة وسعر السلع والنمو.

وقد توقع صندوق النقد أن يؤدي استمرار التوتر الإقليمي إلى ارتفاع عجز الحساب الجاري إلى نحو 6.9 بالمئة من الناتج المحلي خلال عام 2026، نتيجة تراجع محتمل في إيرادات السياحة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة. وهذا يعني أن الحرب لا تحتاج إلى أن تقع داخل حدود الأردن حتى يتأثر اقتصاده، إذ يكفي أن تعطل الطيران أو التجارة أو حركة السياح أو تزيد كلفة النقل.

ومع ذلك، أظهرت السياحة قدرة لافتة على التعافي. فقد بلغ الدخل السياحي نحو 7.8 مليار دولار خلال عام 2025، بارتفاع نسبته 7.6 بالمئة. كما سجل نحو 1.65 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026. وهذه الأرقام تؤكد أن السياحة ما تزال من أهم مصادر العملات الأجنبية والدخل وفرص العمل.

لكن هذا القطاع يبقى سريع التأثر بالأخبار والصور القادمة من المنطقة، حتى عندما يكون الأردن آمناً ومستقراً. ولهذا لا بد من تنويع المنتج السياحي، وتوسيع السياحة العلاجية والدينية والبيئية وسياحة المؤتمرات، وزيادة الاعتماد على الأسواق التي يمكن الوصول إليها براً، وعدم ترك النشاط السياحي محصوراً في عدد محدود من المواقع والمواسم.

أما تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج، فقد بلغت نحو 4.5 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة 4.5 بالمئة. وارتفعت خلال كانون الثاني 2026 بنسبة 11.9 بالمئة لتصل إلى 373.6 مليون دولار. وهذه التحويلات تمثل دعامة أساسية لآلاف الأسر، كما تدعم الاحتياطيات والاستهلاك والاستقرار الاجتماعي.

إلا أن الاعتماد الكبير عليها يشير إلى أن جزءاً مهماً من الدخل الوطني ما يزال يتولد خارج الاقتصاد المحلي. والمطلوب ليس التقليل من أهميتها، وإنما استثمار جزء أكبر منها في مشاريع إنتاجية وصناديق تنموية وفرص استثمار موثوقة، بدلاً من أن يذهب معظمها إلى الاستهلاك أو العقار فقط.

وفي التجارة الخارجية، نمت الصادرات الوطنية بنسبة 7.3 بالمئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بعد أن سجلت نمواً نسبته 1.6 بالمئة في الربع الأول. كما بلغت قيمة الصادرات الوطنية نحو 3 مليارات دولار في الربع الأول.

ويمثل ارتفاع الصادرات مؤشراً إيجابياً، لكن الرقم الأهم ليس قيمة الصادرات وحدها، بل نوعها ومقدار القيمة التي أضيفت إليها داخل الأردن. فالاقتصاد يستفيد أكثر عندما يصدر دواءً أو منتجاً هندسياً أو برمجية أو خدمة استشارية، مقارنة بتصدير مادة أولية ذات قيمة محدودة.

ولهذا فإن السياسة الاقتصادية تحتاج إلى التركيز على عدد محدد من القطاعات التي يمتلك الأردن فيها فرصة واقعية للمنافسة، مثل الصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الصحية والتعليمية، والصناعات الغذائية، والأسمدة، والطاقة النظيفة، والخدمات الهندسية، والسياحة المتخصصة.

وفي الاستثمار الأجنبي المباشر، بلغت التدفقات نحو 258.9 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، في حين ارتفع الاستثمار الأجنبي خلال عام 2025 بنحو 25.1 بالمئة ليقترب من ملياري دولار. هذه أرقام إيجابية، لكنها تحتاج إلى قراءة نوعية، لأن الاستثمار الحقيقي لا يقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، بل بعدد الوظائف التي ينشئها، والتكنولوجيا التي ينقلها، والصادرات التي يضيفها، وقدرته على البقاء والتوسع.

ولا تزال كلفة التمويل والطاقة والنقل، وبطء بعض الإجراءات، وتعدد الجهات المرجعية، وضعف استقرار بعض التشريعات من القضايا التي تؤثر في قرار المستثمر. فالمستثمر لا يحتاج إلى إعفاءات فقط، بل يحتاج إلى وضوح وسرعة وعدالة وإمكانية توقع ما سيحدث خلال السنوات المقبلة.

وفي الجانب المالي، بلغ رصيد الدين العام، بما في ذلك الدين الذي يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، نحو 49.1 مليار دينار في نيسان 2026. وبلغ نحو 37.4 مليار دينار عند استثناء ما يحمله الصندوق. كما سجل عجز الموازنة شاملاً المنح ما نسبته 4.6 بالمئة من الناتج المحلي خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام.

الدين العام لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد يتجه نحو أزمة، فالدول تقترض لتمويل احتياجاتها ومشاريعها. لكن الخطر يظهر عندما يذهب جزء كبير من الإيرادات لخدمة الدين والفوائد، أو عندما يستخدم الاقتراض لتغطية نفقات متكررة بدلاً من تمويل مشاريع تولد دخلاً وفرص عمل.

ومن هنا يظهر استنتاج آخر. التحدي المالي الأردني لا يمكن حله فقط بزيادة الضرائب والرسوم أو خفض الإنفاق. المطلوب توسيع الاقتصاد نفسه، ورفع كفاءة التحصيل، وتقليل التهرب، وضبط النفقات غير الضرورية، وتحسين عائد المشاريع العامة، وتوجيه الاقتراض إلى قطاعات تزيد الإنتاج والصادرات.

كما تكشف الأرقام أن المشكلة الاقتصادية ليست في غياب عناصر القوة. الأردن يمتلك قطاعاً مصرفياً مستقراً، واحتياطيات مريحة، وعملة موثوقة، وموارد بشرية متعلمة، واتفاقيات تجارة، وموقعاً يربط أسواقاً واسعة. المشكلة تكمن في أن هذه العناصر لم تتحول بعد إلى نمو سريع وعادل يصل أثره إلى جميع المحافظات والفئات الاجتماعية.

ولا يمكن معالجة ذلك دون إعادة توزيع النشاط الاقتصادي. فالمحافظات لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى مناطق إنتاج متخصصة مرتبطة بموارد كل محافظة، وإلى تمويل ميسر، وتدريب ينتهي بالتشغيل، وبنية نقل ولوجستيات، وربط فعلي بين الجامعات والمصانع والمستثمرين.

ففي محافظة زراعية يمكن إنشاء سلسلة متكاملة للتصنيع والتعبئة والتخزين والتصدير. وفي محافظة سياحية يمكن تطوير المشاريع الصغيرة والخدمات والمسارات المحلية. وفي المناطق القريبة من الحدود يمكن بناء نشاط لوجستي وتجاري منظم. أما إنشاء المشروع نفسه في كل محافظة دون مراعاة خصوصيتها الاقتصادية، فلن ينتج تنمية حقيقية.

كذلك لا بد من مراجعة مفهوم التشغيل. فالوظيفة الحكومية لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، والقطاع الخاص لن يوظف بدافع المسؤولية الاجتماعية وحدها. إنه يوظف عندما يتوسع ويصدر ويربح. لذلك فإن أفضل سياسة لتشغيل الشباب هي بناء شركات قادرة على النمو، وليست مجرد برامج تدريب قصيرة لا تنتهي بفرصة واضحة.

ومن قراءة المؤشرات والواقع يمكن الوصول إلى مجموعة من الاستنتاجات.

أولها أن الاقتصاد الأردني أثبت قدرة عالية على الصمود، وأن الاستقرار النقدي والمصرفي يمثلان مصدر قوة حقيقياً في ظل إقليم مضطرب.

وثانيها أن معدل النمو الحالي، رغم تحسنه، لا يزال أقل من المستوى المطلوب لمعالجة البطالة وتحسين الدخل بصورة محسوسة.

وثالثها أن البطالة لم تعد مشكلة أعداد فقط، بل مشكلة نوعية تعليم، وتوزيع جغرافي للاستثمار، وضعف مشاركة النساء، وعدم توافق المهارات مع احتياجات السوق.

ورابعها أن السياحة والتحويلات والصادرات والاستثمار توفر فرصاً حقيقية، لكنها تظل معرضة للصدمات الخارجية ما لم يتوسع الإنتاج المحلي وتتنوع الأسواق.

وخامسها أن الدين العام يضيق قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق، ولذلك ينبغي أن تنتقل الأولوية من إدارة العجز إلى بناء إيرادات جديدة من النمو والاستثمار والإنتاج.

أما الاستنتاج الأهم فهو أن الأردن لا يحتاج إلى تغيير الاتجاه بقدر حاجته إلى زيادة سرعة التنفيذ ووضوح الأولويات. فالخطط الاقتصادية موجودة، والتشخيص معروف، لكن المواطن ينتظر النتيجة في مصنع يفتح، واستثمار يصل إلى محافظته، وخريج يجد عملاً، ومشروع صغير يستطيع الوصول إلى التمويل والسوق.

لقد نجح الأردن في حماية استقراره الاقتصادي وسط أزمات متلاحقة. والمرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من اقتصاد يتحمل الصدمات إلى اقتصاد يصنع فرصه بنفسه. فالصمود يحمي الحاضر، لكن الإنتاج والعمل والاستثمار هي التي تبني المستقبل.