النائب أروى الحجايا
عندما يفرغ جعبة المتعالي من الحجج، يبدأ بالنبش في تفاصيل البيوت، ويظن أن موضع المرحاض يصلح ميزانًا للحضارة ،يا للعجب أمةٌ كتبت تاريخها بالدم والكرامة، يأتي من يختزلها في باب حمّام وأي بؤسٍ فكري هذا الذي يجعل تاريخ الأردن، ورجاله، وجنده، وعشائره، ودوره، يُختصر في عبارة سمجة يُراد بها الاستعلاء والسخرية؟
إن البيوت القديمة لم تكن تُبنى وفق موضة المهندسين، بل وفق حكمة البيئة، وسعة الأرض، ونمط الحياة. وكان الأردني يضع مرافق منزله خارج البيت لأنه يعرف معنى الطهارة، ويعرف أن البيت حرمة، وأن المرافق لها موضعها. لم يكن ذلك عيبًا، بل كان سلوكًا عمرانيًا عرفته أمم كثيرة قبل أن تعرف شبكات الصرف الصحي الحديثة.
أما أن يأتي من يجعل هذا الأمر مادة للتندر، فذلك لا يكشف عن فقر البيوت، بل عن فقر البصيرة الأردني الذي كان حمّامه خارج بيته... كان قلبه داخل أمته. كان يفتح داره للضيف، ويحرس حدود العرب، ويحمل بندقيته دفاعًا عن القدس، ويقتسم رغيفه مع اللاجئ، بينما غيره كان منشغلًا بتفقد بلاط الحمامات، وكأن الحضارة تُقاس بالسيراميك لا بالمواقف.
والأغرب أن بعض الناس يتحدث عن الأردن وكأنه منّة عليه، ناسيًا أن هذا الوطن لم يفتح أبوابه ليسمع دروسًا في التعالي، بل فتحها لأن أخلاق الأردنيين أكبر من حسابات الصغار.
إن الاستعلاء على الشعوب لا يصنع مفكرًا، بل يصنع شاهدًا على ضيق أفقه ومن يظن أن قيمة الأوطان تُقاس بمكان المرحاض، فليطمئن لن يرفع من شأنه أن يكون حمّامه داخل البيت، إذا كان عقله قد اختار أن يعيش خارجه.
فالأردن لم يبنِ مجده بالمراحيض، وإنما بناه برجالٍ إذا نادى الواجب لبّوا، وإذا استغاث الشقيق أجابوا، وإذا تحدّث التاريخ، وقف الجميع احترامًا.
أما الذين يفتشون في دفاتر العمران ليهينوا شعبًا بأكمله، فإنهم يشبهون رجلًا وقف أمام جبل شامخ، فلم يرَ منه إلا حجرًا صغيرًا عند سفحه.
وهكذا هي العقول كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح، ومن امتلأ بالتواضع رأى في الشعوب كرامتها، ومن امتلأ بالغرور لم يرَ إلا ظله... ولو كان أقصر من أن يستر صاحبه.



