شريط الأخبار
لقاء السيسي ومدير الـ CIA .. "مخلوف" يكشف لماذا الآن؟ وما هي رسائل القاهرة وواشنطن؟ مشاركة أردنية فاعلة للمدن الصناعية في مؤتمر دولي بالقاهرة نتنياهو ووزراء حكومته وآلاف المستوطنين يقتحمون ساحة حائط البراق منطقة تنموية جديدة في الشيدية وإعادة تأهيل حدائق ونادي المعلمين بمعان الحكومة تكشف عن صورة تنموية متكاملة لمعان تكتمل خلال 2027 (تفاصيل) حسان: الوضع الإقليمي صعب والأزمات حولنا قد تطول لأشهر أو سنوات الملك يبدأ زيارة عمل إلى نيويورك ويشارك في اجتماعات الأمم المتحدة قبول استقالة محادين والعدوان وهلالات وتعيين الحسنات وفريحات والسرحان في مفوضي البترا افتتاح مشروع التَّوسعة الجديد لمستشفى معان الحكومي حسان يضع حجر الأساس لمشروع إيصال الغاز الطبيعي لمدينة الروضة الصناعية النقل البري: شمول 414 طالبًا بالدعم وتحديث حافلات المطار وتعزيز خطوط العرموطي يتجه للتنازل عن رئاسة كتلة الأمة لصالح القطاونة "تكتكة" الزمن .. حكاية أبو درويش العوالي مع الساعات القديمة الحكومة: "رعاية" يغطي علاج أكثر من 2100 مريض ويشمل 4.2 مليون مواطن عمان الأهلية وجامعة كوينز بلفاست تحصلان على تمويل من المجلس الثقافي البريطاني المطلب الشعبي: إقالة وزير التربية والأمين العام.. لا مجال للترقيع إيران تضع 7 شروط لبدء المفاوضات.. وإسرائيل تلوح بالمواجهة الأردن يدين استهداف ميليشيا الحوثي مدينة الرياض بصاروخ باليستي برعاية وزير الثقافة .. تنطلق فعاليات الدورة الحادية عشرة من "مهرجان الأردن الدولي للأفلام" اليوم النائب السعود: حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة أساس للسلام العادل

الغزّة التي أيقظتنا وأيقظتهم

الغزّة التي أيقظتنا وأيقظتهم

حلمي الأسمر

صحيحٌ أنّ اللسعة كانت سامّة، وتولّدت عنها حمّى فظيعة، وكادت أن تتسبّب في الموت، إلا أنها كانت كلسعة النحل، التي تؤلم وتعالج في الوقت نفسه. أكثر من هذا، السمّ الذي حملته تلك اللسعة، أو الغزّة بالأحرى كانت بمثابة الترياق الذي يوقف آثار لدغة الأفعى أو العقرب. بمعنى آخر، كان لا بد للجسد أن يأخذ مصْلاً مأخوذاً في الأصل من سمٍّ زُعاف، للتغلب على إمكانية تسمّمه باللدغة أو الغزّة أو اللسعة.


ليس مهمّاً الإيغال في هذا المفهوم، لأن له تفرّعات علمية ليس مكانها هنا. تكفي الإشارة إلى أن الترياق، القادر على إبطال سمّ أفعى تسلل إلى جسم مريض ملدوع أو مغزوز، يُؤخذ من الأفعى ذاتها. باختصار، وحسب العلم، يُجرى استخلاص الترياق المبطل للسمّ بأخذ السمّ نفسه وحقنه في جسم حيوان آخر بكمية صغيرة كي لا يموت الحيوان، ثم يُجرى استخلاص الأجسام المضادّة التي يفرزها جسم الحيوان وحقنها بجسد الملدوغ، العملية برمتها لعبٌ بمفهوم العبارة الشهيرة: وداوني بالتي كانت هي الداء.

في الجانب اللغوي البحت، نغَزَه بسكِّين: طعنَه بها طعنةً غير نافذة، وغَزَّ غَزَزْتُ، يَغُزّ، اغْزُزْ/ غُزَّ، غَزًّا، فهو غازّ. والمفعول مَغْزوز، وغزَّ الثوبَ أو الجسمَ بالإبرةِ ونحوِها: وخَزه وَخْزًا خفيفًا، وغزّة في هذه الحال لغة هي الوخزة أو "النخزة" أو النخسة، أو الوكزة. صحيحٌ أنها غير نافذة، أي غير قاتلة، لكنها مؤلمة، وقد تحمل، كما قلنا، سمّاً زُعافاً قد يكون ترياقا للجسد، ويبدو أن غزّة البلد قامت بدورٍ يشابه ما تقوم به غزّة اللغة!

غزّة اليوم حملت للجسم العربي وربما الإسلامي والدولي كله، "سمّاً" أو لنقل "ترياقاً" اسمه التمرّد على الظلم والظلمة

غزّة اليوم، حملت للجسم العربي وربما الإسلامي والدولي كله، "سمّاً" أو لنقل "ترياقاً" اسمه التمرّد على الظلم والظلمة، وهؤلاء بالتحديد هم من يتحكّمون بهذا العالم، سمّهم الحكومة الخفية، أو تجّار الأسلحة والدواء والمخدّرات، أو كهنة البنوك، سمّهم ما تشاء، فهم، حسب الإحصائيات أخيراً، 62 مليون شخص من إجمالي 4.4 مليارات بالغ في العالم، أو 1.2% منهم لا غير، يمتلكون 47.8% من الثروة العالمية، بينما 2.8 مليار بالغ (أو 53.2%) لا يمتلكون إلا 1.1%، وهذا مستوى صارخٌ من اللامساواة، هؤلاء أو بالأحرى من يتسيّدهم ويسيطر عليهم ويتّخذ قراراتهم، أصابتهم غزّة بغزّة أو وخزة أطارت عقولهم، فهرعوا للوقوف بكل ما لديهم من سلطة وسلاح ودعم مادّي ومعنوي، لعون "ضحايا آخرين" للبطش بضحايا جُدد، وإزالتهم من التاريخ والجغرافيا، فكانت النتيجة، وفق أحدث الإحصائيات التي ساقتها الكاتبة غانية ملحيس:

خلال 155 يوماً فقط من حرب الإبادة الجارية في قطاع غزة، ألقى التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري أكثر من 70 ألف طنّ من المتفجرات على قطاع غزّة البالغة مساحته الإجمالية 365 كم2، ويسكنه 2.3 مليون فلسطيني. أي ما يعادل 5.8 أضعاف القنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة عام 1945على مدينة هيروشيما اليابانية (905.01 كم2) وبلغت قوتها التفجيرية، آنذاك، 12 ألف طنّ. وأدّت إلى استسلام الإمبراطورية اليابانية وانتهاء الحرب العالمية الثانية. وارتكب التحالف خلال هذه المدة القصيرة 2746 مجزرة، أسفرت عن استشهاد نحو 31 ألف شخص، من بينهم 13.500 طفل (23 منهم قضوا بسبب المجاعة). وتسعة آلاف امرأة. ومن بينهم 4327 طالباً وطالبة، وثلاثة رؤساء جامعات، و94 من العمداء والأساتذة، 17 منهم برتبة أستاذ دكتور (بروفيسور) و59 من حملة الدكتوراه، و18 ماجستير. و438 من الفرق الطبية، و48 من الدفاع المدني و133 صحافياً. و163 موظفاً في الأمم المتحدة، وفقدان 7800 لا يزالون تحت الأنقاض. وجرح نحو 73 ألف فلسطيني، 72% منهم من الأطفال والنساء. واستهدف التحالف خلالها 32 مستشفى تم إخراجها عن الخدمة من أصل 36 مستشفى و126 سيارة إسعاف. ودمر جميع الجامعات و396 مدرسة (منها 65 مدرسة تابعة لأونروا) إضافة إلى المنشآت الثقافية والفنية والتاريخية والمكتبات والمطابع. و200 جامع وثلاث كنائس. وأكثر من 65% من الوحدات السكنية في القطاع. وجرف الطرقات والأراضي الزراعية، ودمّر معظم المصانع والمتاجر. وأجبر 2.2 مليون غزّي على النزوح من منازلهم، أصيب نصفهم بأمراضٍ معدية. ويعاني 90% من سكان قطاع غزّة من فقدان الأمن الغذائي.

أيقظت غزّة في عددٍ كبيرٍ من اليهود (غيّبتهم الصهيونية) وعياً جديداً، بكونهم مجرّد أداة لقتل شعب آخر لا ذنب له

أما حكاية الضحايا الجدد والقدامى، فغزّة غزّة أيقظت في عدد كبير من اليهود (غيّبتهم الصهيونية) وعياً جديداً، بكونهم مجرّد أداة لقتل شعب آخر لا ذنب له إلا أنه شعبٌ عريقٌ يعيش على إحدى أكثر بقاع الأرض قدسية، من يسيطر عليها يسيطر على العالم، وهؤلاء مع ملايين غيرهم، غزتهم غزّة فأدركوا أن عصاباتٍ تحكمهم وتجبي منهم "ضرائب" لتمويل المذابح، وقتل البشر، ونهب خيراتهم، فجرت تظاهرات الملايين في شوارع مدن العالم، ليس نصرة لغزّة فقط، بل رد فعل للألم الذي أحدثته الغزّة في ضمائرهم.

غزّةُ غزّة أو لسعتها أو وخزتُها، سمّها ما شئت، حملت السمّ والترياق ليس لتحرير فلسطين فقط، بل لتحرير العالم أيضاً. ولهذا ليس غريباً أن يقول شخص كالرئيس الأميركي جو بايدن إنّ هجوم 7 أكتوبر (طوفان الأقصى) "حدثٌ سيغيّر العالم ويتردّد صداه خلال القرن الحادي والعشرين كلّه".

العربي الجديد