شريط الأخبار
النائب ابو تايه يشكر شركة الفوسفات الأردنية بعد تمويل إنشاء وتجهيز مركز الجفر للخدمات الاجتماعية المتكاملة في قضاء الجفر هل تغرق الشعوب في مجد النخب؟ الاعلان عن حملة طهرا بيتي الرواشدة يكشف عن إنجازٍ جديد لوزارة الثقافة في لواء الشوبك ( فيديو ) ترامب: أوقفنا هجوما عسكريا كان مقررا على إيران الجيش: إجلاء 20 طفلًا مريضًا من قطاع غزة لاستكمال علاجهم الملك يتقبل أوراق اعتماد عدد من السفراء رويترز: واشنطن تؤيد السماح لإيران بمواصلة أنشطة نووية سلمية واحة معان تسدل الستار عن موسم تفويج الحجاج إخماد حرائق أعشاب ومحاصيل زراعية في عدد من المحافظات 30 لاعبا من 16 ناديا في تشكيلة سلامي الأولية قبيل كأس العالم إطلاق القميص الرسمي لمنتخب النشامى لكأس العالم 2026 (رابط للشراء) نجوم المنتخب الوطني يدخلون اجواء المونديال الجامعة "الأردنية" تستعد لانتخابات اتحاد الطّلبة بمشاركة 473 مرشحا ومرشحة رئيس جامعة مؤتة يرعى عرضاً مسرحياً يسلط الضوء على العلاقات الأردنية-الفلسطينية أكثر من 2.5 مليون مشاهدة لمحتوى الحملة ... زين و"الوطني للأمن السيبراني" يطلقان حملة توعوية بالأمن الرقمي أورنج الأردن تشارك في فعالية "Femi Tech" دعماً لتمكين المرأة في التكنولوجيا مرفأ الانعتاق ولي العهد: يخلف على المعازيب ويكثر خيرهم ولي العهد يلتقي وجهاء وممثلين عن عشائر العجارمة

الغزّة التي أيقظتنا وأيقظتهم

الغزّة التي أيقظتنا وأيقظتهم

حلمي الأسمر

صحيحٌ أنّ اللسعة كانت سامّة، وتولّدت عنها حمّى فظيعة، وكادت أن تتسبّب في الموت، إلا أنها كانت كلسعة النحل، التي تؤلم وتعالج في الوقت نفسه. أكثر من هذا، السمّ الذي حملته تلك اللسعة، أو الغزّة بالأحرى كانت بمثابة الترياق الذي يوقف آثار لدغة الأفعى أو العقرب. بمعنى آخر، كان لا بد للجسد أن يأخذ مصْلاً مأخوذاً في الأصل من سمٍّ زُعاف، للتغلب على إمكانية تسمّمه باللدغة أو الغزّة أو اللسعة.


ليس مهمّاً الإيغال في هذا المفهوم، لأن له تفرّعات علمية ليس مكانها هنا. تكفي الإشارة إلى أن الترياق، القادر على إبطال سمّ أفعى تسلل إلى جسم مريض ملدوع أو مغزوز، يُؤخذ من الأفعى ذاتها. باختصار، وحسب العلم، يُجرى استخلاص الترياق المبطل للسمّ بأخذ السمّ نفسه وحقنه في جسم حيوان آخر بكمية صغيرة كي لا يموت الحيوان، ثم يُجرى استخلاص الأجسام المضادّة التي يفرزها جسم الحيوان وحقنها بجسد الملدوغ، العملية برمتها لعبٌ بمفهوم العبارة الشهيرة: وداوني بالتي كانت هي الداء.

في الجانب اللغوي البحت، نغَزَه بسكِّين: طعنَه بها طعنةً غير نافذة، وغَزَّ غَزَزْتُ، يَغُزّ، اغْزُزْ/ غُزَّ، غَزًّا، فهو غازّ. والمفعول مَغْزوز، وغزَّ الثوبَ أو الجسمَ بالإبرةِ ونحوِها: وخَزه وَخْزًا خفيفًا، وغزّة في هذه الحال لغة هي الوخزة أو "النخزة" أو النخسة، أو الوكزة. صحيحٌ أنها غير نافذة، أي غير قاتلة، لكنها مؤلمة، وقد تحمل، كما قلنا، سمّاً زُعافاً قد يكون ترياقا للجسد، ويبدو أن غزّة البلد قامت بدورٍ يشابه ما تقوم به غزّة اللغة!

غزّة اليوم حملت للجسم العربي وربما الإسلامي والدولي كله، "سمّاً" أو لنقل "ترياقاً" اسمه التمرّد على الظلم والظلمة

غزّة اليوم، حملت للجسم العربي وربما الإسلامي والدولي كله، "سمّاً" أو لنقل "ترياقاً" اسمه التمرّد على الظلم والظلمة، وهؤلاء بالتحديد هم من يتحكّمون بهذا العالم، سمّهم الحكومة الخفية، أو تجّار الأسلحة والدواء والمخدّرات، أو كهنة البنوك، سمّهم ما تشاء، فهم، حسب الإحصائيات أخيراً، 62 مليون شخص من إجمالي 4.4 مليارات بالغ في العالم، أو 1.2% منهم لا غير، يمتلكون 47.8% من الثروة العالمية، بينما 2.8 مليار بالغ (أو 53.2%) لا يمتلكون إلا 1.1%، وهذا مستوى صارخٌ من اللامساواة، هؤلاء أو بالأحرى من يتسيّدهم ويسيطر عليهم ويتّخذ قراراتهم، أصابتهم غزّة بغزّة أو وخزة أطارت عقولهم، فهرعوا للوقوف بكل ما لديهم من سلطة وسلاح ودعم مادّي ومعنوي، لعون "ضحايا آخرين" للبطش بضحايا جُدد، وإزالتهم من التاريخ والجغرافيا، فكانت النتيجة، وفق أحدث الإحصائيات التي ساقتها الكاتبة غانية ملحيس:

خلال 155 يوماً فقط من حرب الإبادة الجارية في قطاع غزة، ألقى التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري أكثر من 70 ألف طنّ من المتفجرات على قطاع غزّة البالغة مساحته الإجمالية 365 كم2، ويسكنه 2.3 مليون فلسطيني. أي ما يعادل 5.8 أضعاف القنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة عام 1945على مدينة هيروشيما اليابانية (905.01 كم2) وبلغت قوتها التفجيرية، آنذاك، 12 ألف طنّ. وأدّت إلى استسلام الإمبراطورية اليابانية وانتهاء الحرب العالمية الثانية. وارتكب التحالف خلال هذه المدة القصيرة 2746 مجزرة، أسفرت عن استشهاد نحو 31 ألف شخص، من بينهم 13.500 طفل (23 منهم قضوا بسبب المجاعة). وتسعة آلاف امرأة. ومن بينهم 4327 طالباً وطالبة، وثلاثة رؤساء جامعات، و94 من العمداء والأساتذة، 17 منهم برتبة أستاذ دكتور (بروفيسور) و59 من حملة الدكتوراه، و18 ماجستير. و438 من الفرق الطبية، و48 من الدفاع المدني و133 صحافياً. و163 موظفاً في الأمم المتحدة، وفقدان 7800 لا يزالون تحت الأنقاض. وجرح نحو 73 ألف فلسطيني، 72% منهم من الأطفال والنساء. واستهدف التحالف خلالها 32 مستشفى تم إخراجها عن الخدمة من أصل 36 مستشفى و126 سيارة إسعاف. ودمر جميع الجامعات و396 مدرسة (منها 65 مدرسة تابعة لأونروا) إضافة إلى المنشآت الثقافية والفنية والتاريخية والمكتبات والمطابع. و200 جامع وثلاث كنائس. وأكثر من 65% من الوحدات السكنية في القطاع. وجرف الطرقات والأراضي الزراعية، ودمّر معظم المصانع والمتاجر. وأجبر 2.2 مليون غزّي على النزوح من منازلهم، أصيب نصفهم بأمراضٍ معدية. ويعاني 90% من سكان قطاع غزّة من فقدان الأمن الغذائي.

أيقظت غزّة في عددٍ كبيرٍ من اليهود (غيّبتهم الصهيونية) وعياً جديداً، بكونهم مجرّد أداة لقتل شعب آخر لا ذنب له

أما حكاية الضحايا الجدد والقدامى، فغزّة غزّة أيقظت في عدد كبير من اليهود (غيّبتهم الصهيونية) وعياً جديداً، بكونهم مجرّد أداة لقتل شعب آخر لا ذنب له إلا أنه شعبٌ عريقٌ يعيش على إحدى أكثر بقاع الأرض قدسية، من يسيطر عليها يسيطر على العالم، وهؤلاء مع ملايين غيرهم، غزتهم غزّة فأدركوا أن عصاباتٍ تحكمهم وتجبي منهم "ضرائب" لتمويل المذابح، وقتل البشر، ونهب خيراتهم، فجرت تظاهرات الملايين في شوارع مدن العالم، ليس نصرة لغزّة فقط، بل رد فعل للألم الذي أحدثته الغزّة في ضمائرهم.

غزّةُ غزّة أو لسعتها أو وخزتُها، سمّها ما شئت، حملت السمّ والترياق ليس لتحرير فلسطين فقط، بل لتحرير العالم أيضاً. ولهذا ليس غريباً أن يقول شخص كالرئيس الأميركي جو بايدن إنّ هجوم 7 أكتوبر (طوفان الأقصى) "حدثٌ سيغيّر العالم ويتردّد صداه خلال القرن الحادي والعشرين كلّه".

العربي الجديد