
بين الواقعية والتضليل الإعلامي..
القلعة نيوز ـ
هل تفاجأ المنادون بالصلاح، والقائمون على الأحزاب بأن المطلوب كبير، وكبير جدًا مقارنة مع ما كان سابقًا. فالبرامج الحزبية يجب أن تكون واقعية، والتوصيف للمشكلات لا يكفي، فلا بد من إيجاد حلول منطقية ومعقولة ومنطلقة من إمكانيات وقدرات مؤسسات الوطن الخاصة والعامة. فلا يصح بحال الطلب مثلًا برفع الحد الأدنى للأجور عشرات الدنانير دون نظرة عامة وخاصة إلى واقع الوطن الاقتصادي، وقدرة المؤسسات العامة والخاصة على القيام بهذا الأمر، وهي تعاني من الوضع الحالي والكثير منها معرض للتعثر والإغلاق، وتحتاج إلى خطة وطنية للإنقاذ سواء في القطاع السياحي أو الطبي أو التجاري والصناعي والزراعي والتعليمي. وهؤلاء في المحصلة هم الوطن، وهم من يدفع للوطن وللقطاع الخاص، فإن كان هؤلاء متعثرين.
هل أصبح التضليل جزءًا من الحياة، أم أن الحياة أصبحت في هذا الزمان تضليلًا؟ لقد تضخمت الكثير من الأمور على حساب أمور أخرى، والبعض يعاني من ظاهرة العميان والفيل، فهو ممسك بالخرطوم ويظن أن الفيل فقط هو الخرطوم. وهذه الظاهرة تكاد تمس كل جوانب الحياة تقريبًا، وتتفاجأ أحيانًا بأن هناك أشخاصًا لهم رأي ورزانة ومكانة، ولكنهم يرون ويتعاملون ويظنون أن الأمور كلها محكومة بوجهة نظر واحدة فقط، ومن تلك الجهة التي يقفون فيها.
أنا لا أزعم بأن الجميع قادر على الفهم لكليات الأمور والوصول إلى كنه الأمر وأساسه وكيفية قيامه واندثاره، ولكن هناك عقل جمعي يعي خطورة أمور معينة، مثل الأثر الأخلاقي، والأثر الاجتماعي، والأثر السياسي، والأثر الاقتصادي، والأثر الديني في الحياة.
لنأخذ مثلًا الأثر الديني، وكيف أن مفهوم مقاصد الشريعة ومفهوم السنن الكونية يغير كل شيء بالنسبة للمتلقي الطبيعي، الذي كان يظن بأن الدين هو مجموعة من العبادات الشعائرية يقوم بها فيتحقق المطلوب. ولكن ما قام به البعض من جهد بالغ في تشريح النصوص وفهمها، وفهم نقاط الترابط ونقاط الانفصال فيها، وفهم متعلقات النصوص وهدفها النهائي، جعل حفظ الدين والعقل والنسل والمال والنفس هو المقصد الأسمى للدين. وعند العودة للنصوص القرآنية والحديث والسيرة تتضح هذه الحقيقة بعد بحث وتمحيص ودراسة.
إذًا هناك ترابط قوي بين الكثير من الأمور، وهناك نصوص واضحة وأخرى تحتاج إلى تحليل وفهم، وهناك نتائج مرئية ومتوقع حدوثها في حال وجود الخلل واستمراره. وهنا أجدني متفقًا تمامًا مع أن الانتخابات كان لها أثر كبير في إثارة الكثير من القضايا الحساسة والمتعلقة بالمجتمع والاقتصاد والسياسة والعشائرية والحزبية والمدنية والعربية والعالمية، وكل هذه المفاهيم أصبح لها صدى ومحاولة للفهم، وهناك أسئلة وتوقعات أخرى تشعر معها بسطحية شديدة.
وهناك في المقابل فهم لبعض القضايا. ولقد لاحظت هنا أن فهم البعض قائم نتيجة لطبيعة العمل أو التخصص في الأغلب، وفي الجهة الأخرى غياب مطلق عن باقي القضايا ويصل أحيانًا إلى درجة السذاجة أو التفاهة أو التضليل في قضايا أخرى.
ويسعى البعض في تضخيم أثرها ومتعلقاتها، وهي في الحقيقة لا تستحق هذا التضخيم. ولكن كما كبرت شجرة التضليل غطت على شجرة الحقيقة، وأصبح لا يرى من حقيقة الأمر إلا ما يفهمه. وهذا الفهم في الأغلب لم يكن مصدره جهة موثوقة، ولكن مواقع التواصل وأبطالها الوهميون، وهذا ينقل رأيه وفهمه مع سطحيته وتفاهته البالغة إلى ملايين المتابعين، إذا سلمنا بأنه ليس ضالًا أو مضلًا.
لقد أصبحنا في زمن نخشى فيه على أنفسنا من هول ما يتم تداوله وعرضه وتسويقه والترويج له. لقد ضاع العقل في هذا الكم من كل شيء، وهو في الحقيقة لا شيء. ولم يتوقف الأمر على التضليل، ولكن أصبح إغراقًا معلوماتيًا وإعلاميًا وزخمًا كبيرًا هائلًا ولكنه تافه.
لقد تضخم كل شيء في هذا العصر الذي نعيش فيه. نعم، لم نكن نحلم بأي حال من الأحوال بأن نصل إلى ما وصلنا إليه في التقنية والنقل والتكنولوجيا وحتى الصناعة والزراعة. ولكن هذه الفوائد التي نحصل عليها من هذا التطور، هل سيكون لها أثرها على الإنسان وتغير مفاهيمه وقدراته وتفاعله، وتحرف الحقائق والفكر والمنطق والدين عن طريقه؟
نعود لقصتنا، وهي ضرورة وجود المحددات التي تستطيع أن تخرجنا من دائرة الاستهداف بالتضليل أو التتفيه، وتجعلنا قادرين على رؤية الحقيقة مجردة وأثرها في الإنسان والمجتمع والدين والعالم، فنحن جزء منه. وهل من الممكن تأطير هذه القواعد حتى نقيس عليها ما هو صحيح من غيره؟ تخدعنا العبارات البراقة والكلمات التي تحمل طابعًا عاطفيًا إنسانيًا أحيانًا، ولكن بين هذه وتلك مسافة طويلة.
وهل تبعد قضية الجامعات والخريجين عن هذا، وطبيعة التعليم في المدارس، والتحصيل الكمي والنوعي للطلاب ، وأثره الحقيقي على تغيير الحياة إلى تلك الصورة التي نريد.
إبراهيم أبو حويله ...