بصمة الإنسان على الكوكب: هل دخلنا حقبة "العصر البشري"
اللاعودة؟ نظرة من قلب الأردن
الدكتورة
رشا أحمد الركيبات
منذ حوالي 11,700 عام، وعقب انقشاع العصر
الجليدي الأخير، دخل كوكب الأرض في حالة من الهدوء والاستقرار المناخي عُرفت
جيولوجياً باسم حقبة "الهولوسين". في هذا المناخ الدافئ والمتوازن،
تمددت جذور الحضارات الإنسانية، وازدهرت الزراعة، وتكاثر البشر. لكن اليوم، يبدو
أننا طوينا هذه الصفحة إلى الأبد. لقد بدأ نشاطنا البشري المتسارع، من حرقٍ نهمٍ
للوقود الأحفوري وتغييرٍ جارفٍ لمعالم الأرض، يدفع الكوكب نحو حقبة جديدة مضطربة
أطلق عليها العلماء اسماً غير رسمي: "الأنثروبوسين" (Anthropocene) أو العصر البشري. فما هو هذا العصر؟ وكيف
تتجلى ملامحه القاسية في الأردن، أحد أكثر دول العالم جفافاً وتأثراً بالتغير
المناخي؟
جدل علمي: هل هو العصر البشري أم عصر رأس المال؟
رغم
أن بصمتنا التدميرية على الكوكب واضحة للعيان، إلا أن الإقرار الرسمي بـ
"العصر البشري" كحقبة جيولوجية جديدة لا يزال يخوض معارك أكاديمية. في
أوائل عام 2024، رفضت لجنة علمية دولية تابعة للاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية (IUGS) مقترحاً طموحاً لاعتماد الأنثروبوسين
رسمياً. استند الرفض إلى مبررات فنية؛ إذ يرى الجيولوجيون المعارضون أن تحديد
منتصف القرن العشرين (تزامناً مع التفجيرات النووية) كبداية لهذه الحقبة يمثل فترة
زمنية قصيرة جداً لا ترقى لتصنيفها كـ "حقبة جيولوجية" تُقاس عادة بآلاف
الملايين من السنين، مشيرين إلى أن تأثير الإنسان بدأ قبل ذلك بكثير مع فجر التوسع
الزراعي. ورغم هذا الرفض الرسمي، يظل "الأنثروبوسين" مفهوماً حياً لا
غنى عنه في الأوساط العلمية والاجتماعية لوصف حجم التدخل البشري الجذري في أنظمة
الأرض.
في
المقابل، برز تيار فكري ناقد يرى أن إلقاء اللوم على "البشرية" ككتلة
واحدة هو تبسيط مُخل للواقع. هؤلاء يقترحون استخدام مصطلح
"الرأسمالوسين" (Capitalocene) أو عصر الرأسمالية؛ بحجة أن الأزمة البيئية ليست نتيجة طبيعية
للوجود البشري، بل هي نتاج نظام اقتصادي عالمي محدد يدفع نحو الاستغلال المفرط
والتسليع اللامحدود، مما يضع المسؤولية الكبرى على عاتق الدول الصناعية الكبرى
وسياساتها الاستخراجية.
ولتبسيط فهمنا لمدى خطورة هذا التأثير وتجاوزنا
لحدود الكوكب، ابتكر العلماء إطاراً يُعرف بـ "الحدود الكوكبية" (Planetary Boundaries). هذه الحدود تمثل ببساطة "مساحة
التشغيل الآمنة" للبشرية، وتضم تسع عمليات بيئية حيوية (مثل التغير المناخي،
فقدان التنوع الحيوي، واستنزاف المياه العذبة). إن الحفاظ على هذه الحدود يضمن
استقرار الكوكب كما كان في حقبة الهولوسين، بينما يؤدي تجاوزها إلى دفع الأرض نحو
حالة من عدم الاستقرار الكارثي الذي يصعب التنبؤ بمدى دماره.
رسائل تحذير من أعماق البحار
لا
تقتصر بصمة هذا العصر على تلوث الهواء، بل تسربت إلى الأرشيف الجيولوجي العميق
للأرض. فقد رصد العلماء جسيمات "اللدائن الدقيقة" (البلاستيك) متغلغلة
في أعماق سحيقة من الرواسب البحرية ورواسب البحيرات، لتشكل دليلاً مادياً دامغاً
على حجم التلوث البشري، لدرجة أنها توجد في طبقات طينية أقدم بكثير من تاريخ
اختراع البلاستيك نفسه بسبب حركتها وتسربها بين الرواسب.
محلياً، يحمل "البحر الميت" في طياته
إنذاراً جيولوجياً مبكراً. فقد كشفت عمليات حفر علمية في قاعه عن رواسب طينية
وملحية توثق نحو 200 ألف عام من التاريخ المناخي للمنطقة. أثبتت هذه العينات أن
مياه البحر الميت سبق وأن جفت تقريباً خلال فترات احترار سابقة. هذا الاكتشاف
المذهل يمثل تحذيراً صارخاً من موجات جفاف مستقبلية قاسية وممتدة قد تضرب منطقتنا
المأزومة مائياً أصلاً.
الأردن في قلب العاصفة: عطش مزمن وزحف إسمنتي
تتجلى
أشرس ملامح العصر البشري في الأردن عبر أزمته المائية الهيكلية. يقف الأردن اليوم
تحت خط "الندرة المائية المطلقة" بفارق مرعب، حيث تبلغ حصة الفرد من
المياه العذبة المتجددة حوالي 61 متراً مكعباً سنوياً فقط. وللتعامل مع هذا العطش
المزمن، لجأ الأردن إلى حلول استثنائية تمثل جوهر الأنثروبوسين، أبرزها
"مشروع جر مياه الديسي". يعتمد هذا المشروع الإسعافي على استخراج 100
مليون متر مكعب سنوياً من المياه الجوفية الأحفورية (القديمة وغير المتجددة) من
عمق الصحراء، ونقلها عبر أنابيب ضخمة لمسافة 325 كيلومتراً لسد رمق العاصمة.
يتوازى هذا الشح مع ظاهرة "التسارع
العظيم" في التوسع العمراني. لقد تحولت العاصمة عمان إلى متروبوليس ضخم، حيث
تضاعفت مساحة المناطق المبنية في الأردن خلال العقدين الماضيين لتصل إلى 1500
كيلومتر مربع. ومع التمدد العمراني العشوائي بنسبة 1% سنوياً، تتآكل الأراضي
الزراعية القليلة بشكل ممنهج، وتتصاعد الأعباء على البنية التحتية، وتتضخم
الانبعاثات الكربونية الناتجة عن قطاعي البناء والنقل.
التنوع الحيوي: بين ألم الانقراض وملاذات الأمل
تضع
هذه التحولات المناخية الكائنات الحية أمام اختبار بقاءٍ لا يرحم. ولفهم مستقبل
الأنواع الحية، يعتمد العلماء على تقنية "الغلاف المناخي الحيوي" (Bioclimatic Envelope)؛ وهي ببساطة نماذج رياضية تحدد الظروف
المناخية المثالية (كدرجات الحرارة والرطوبة) التي يحتاجها كائنٌ ما ليعيش، ثم
تتنبأ بالأماكن التي سيضطر للهجرة إليها أو المناطق التي سينقرض فيها إذا تغير
المناخ وتقلص هذا "الغلاف".
في
الأردن، تُرجم هذا المفهوم إلى واقع ملموس. "واحة الأزرق"، التي كانت
ذات يوم درة الصحراء ومحطة توقف رئيسية لملايين الطيور المهاجرة، جفت تماماً في
أوائل التسعينيات نتيجة الضخ البشري الجائر للمياه الجوفية. لكن لاحقاً، وبفضل
مشروع تأهيل بيئي رائد، تم ضخ المياه مجدداً في مساحة صغيرة من الواحة، مما أعاد
الحياة لـ 160 نوعاً من الطيور وسمح بإعادة توطين أسماك نادرة، في قصة تؤكد أن
التدخل البشري لإنقاذ الطبيعة أمرٌ ممكن.
أما بارقة الأمل الأكبر، فتسطع من أقصى جنوب
المملكة، وتحديداً من مياه خليج العقبة. في صيف عام 2024، اجتاحت المنطقة موجة حر
بحرية هي الأقسى عالمياً، استمرت لـ 113 يوماً متواصلاً، حيث قفزت حرارة سطح البحر
إلى 32.6 درجة مئوية. وبينما كانت الشعاب المرجانية حول العالم، وحتى في مناطق
أخرى من البحر الأحمر، تنهار وتتعرض لظاهرة التبييض الجماعي القاتلة، صمدت
مرجانيات العقبة الأردنية وأظهرت مقاومة فسيولوجية وحرارية مذهلة. هذا الصمود
المعجزة يجعل من خليج العقبة واحداً من آخر "الملاذات المناخية" الحيوية
للمرجان على كوكب الأرض، ما يستدعي جهوداً إقليمية وعالمية عاجلة لحمايته من أي
ملوثات محلية.
خاتمة
إن الحديث عن "الأنثروبوسين" أو
العصر البشري ليس ترفاً أكاديمياً أو مصطلحاً حبيس أروقة المؤتمرات الجيولوجية؛ بل
هو واقع نعيشه يومياً في انقطاع المياه، وتقلبات الفصول، واختناق المدن الإسمنتية.
إن مواجهة استحقاقات هذا العصر تتطلب أكثر من مجرد مسكنات طارئة، بل تستوجب إدارة
متكاملة لمواردنا وتخفيفاً مستداماً لضغطنا على الأرض، قبل أن نصل إلى حافة
"الحدود الكوكبية" التي لا يمكن التراجع عنها.




