د. عزالدين عبدالسلام الربيحات
لم يكن خطاب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في حفل تخريج الدفعة الأولى من مكلفي برنامج "خدمة العلم" خطاباً احتفالياً عابراً، بل جاء محمّلاً بدلالات تتجاوز المناسبة العسكرية إلى أفق أوسع يتعلق بفلسفة الدولة الأردنية في مرحلتها المقبلة. فالخطاب، في جوهره، لم يتوقف عند فكرة التدريب أو الخدمة، بل انطلق نحو إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الانضباط الفردي والهوية الوطنية.
أول ما يلفت في الخطاب هو الانتقال الواضح من "خدمة العلم" بوصفها برنامجاً تنظيمياً إلى "خدمة العلم" بوصفها مشروعاً لبناء الإنسان الأردني. فالمعنى هنا لا يقتصر على إعداد شباب يخضعون لتدريب عسكري، بل يتجاوز ذلك إلى صياغة نمط شخصية قادرة على تحمل المسؤولية، والانضباط، والعمل الجماعي، وهي قيم تُعد أساساً في أي مشروع دولة حديثة يسعى إلى تعزيز مناعته الداخلية في مواجهة التحولات المتسارعة.
في هذا السياق، يمكن قراءة الخطاب باعتباره امتداداً للرؤية الإصلاحية التي تقودها الدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، والتي تركز على بناء الإنسان بوصفه محور التنمية والاستقرار. غير أن خصوصية خطاب سمو ولي العهد تكمن في أنه نقل هذه الرؤية إلى مستوى أكثر مباشرة مع الشباب، عبر ربط الانتماء الوطني بالفعل اليومي والانضباط والسلوك العام، لا بالشعارات العامة فقط.
كما حمل الخطاب إشارة واضحة إلى طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، وهي مرحلة تتسم بتحديات إقليمية واقتصادية واجتماعية متداخلة، ما يجعل من تعزيز الهوية الوطنية والانضباط المؤسسي ضرورة وليست خياراً. ومن هنا، فإن إعادة إحياء خدمة العلم لا تبدو مجرد عودة إلى برنامج سابق، بل هي محاولة لإعادة بناء علاقة المواطن بالدولة على أساس المشاركة والانخراط الفعلي في مفهوم المسؤولية العامة.
اللافت أيضاً أن الخطاب قدّم نموذج "الشاب الأردني" الذي تحتاجه المرحلة المقبلة: شاب منضبط، واعٍ، قادر على العمل ضمن فريق، ومؤمن بأن الانتماء للوطن يُترجم من خلال الالتزام والسلوك والإنتاج. وهو طرح يعكس فهماً عملياً للتحديات التي تواجه الشباب، سواء على مستوى سوق العمل أو الهوية أو المشاركة العامة.
في البعد السياسي الأعمق، يمكن النظر إلى الخطاب باعتباره جزءاً من إعادة صياغة مفهوم "الدولة القادرة"، حيث لا يقتصر دور المؤسسات على الإدارة، بل يمتد إلى بناء الإنسان ذاته. وهنا يظهر التكامل بين الرؤية الملكية العامة وبين الدور المتقدم لسمو ولي العهد في مخاطبة الجيل الجديد بلغة أقرب إلى الواقع وأكثر ارتباطاً بتفاصيل حياته اليومية.
في المحصلة، يمكن القول إن خطاب سمو ولي العهد في مناسبة "خدمة العلم" لم يكن خطاباً في مناسبة عسكرية بقدر ما كان خطاباً في مشروع وطني متكامل، يعيد تعريف المواطنة والانضباط والهوية، ويضع الشباب في قلب معادلة الدولة المستقبلية. إنه خطاب يقرأ المرحلة بوعي، ويضع ملامح الإنسان الذي يريده الأردن في زمن التحولات، بوصفه إنساناً فاعلاً لا متلقياً، ومشاركاً لا متفرجاً.
اللهم احفظ الأردن وقيادته الهاشمية، وبارك في جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدم على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار، واجعل أبناءه من الشباب قوة بناء وعطاء، ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير.




