القلعة نيوز - بقلم: المهندس ثائر عايش مقدادي
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية،
أثبت الأردن ومعه دول الخليج العربي مرة أخرى أن الحكمة السياسية وضبط النفس الاستراتيجي هما السلاح الأقوى في مواجهة محاولات جرّ المنطقة إلى الفوضى والصراعات المفتوحة.
فالهجمات التي استهدفت الأردن وعدداً من الدول العربية عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ لم تكن مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل كانت جزءاً من مخطط إقليمي خطير سعى إلى إشعال المنطقة وإدخالها في صراع واسع يخدم أجندات لا علاقة لها بأمن واستقرار الشعوب العربية.
لقد واجه الأردن ودول الخليج هذا العدوان الإيراني السافر بوعي سياسي عالٍ ومسؤولية تاريخية، رافضين الانجرار إلى الفخ الذي حاولت طهران نصبه، والمتمثل في دفع الدول العربية إلى القتال في خندق الصراع الدولي الدائر بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى.
كان الهدف واضحاً: إثارة الشارع العربي ضد أنظمته، وإحداث شرخ بين الشعوب وقياداتها، وصولاً إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار داخل الدول العربية.
واللافت في هذا التصعيد أن حجم الاستهداف الإيراني للدول العربية كان أكبر بكثير مما تم توجيهه نحو الكيان الإسرائيلي، إذ تشير المعطيات إلى أن الاستهداف الذي طال الأردن ودول الخليج العربي بلغ ما يقارب ثمانية أضعاف ما تم توجيهه نحو إسرائيل.
وهو ما يكشف بوضوح أن المنطقة العربية كانت الهدف الرئيسي لهذا التصعيد، وأن بعض القوى الإقليمية تحاول تحويل أراضي الدول العربية إلى ساحة رسائل وصراعات تخدم مصالحها الخاصة على حساب أمن العرب واستقرارهم.
لكن هذا المخطط الخبيث سقط أمام صلابة الموقف العربي، وخصوصاً الموقف الأردني الذي تعامل مع التحديات بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة.
فالأردن يدرك جيداً أن الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة لن يخدم سوى القوى التي تسعى لتفكيك المنطقة وإغراقها في صراعات لا تنتهي.
كما فشلت محاولات إشعال حرب إقليمية شاملة، وفشلت معها محاولات افتعال أزمة نفط عالمية عبر استهداف مناطق الطاقة أو التلويح بإغلاق مضيق هرمز، وهي أدوات ضغط اعتادت إيران استخدامها لإرباك الاقتصاد العالمي والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن هذه المحاولات لم تحقق أهدافها، لأن الدول العربية تعاملت مع المشهد بوعي استراتيجي عميق، حافظ على توازن المنطقة ومنع الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية.
إن استهداف الدول العربية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لا يمكن تفسيره إلا كعمل عدائي سافر يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وقواعد العلاقات الدولية.
والأخطر من ذلك أنه يأتي رغم المواقف العربية الواضحة التي رفضت الحرب على إيران ودعت إلى التهدئة وخفض التصعيد، ما يكشف حجم التناقض في السلوك الإيراني تجاه جيرانه في المنطقة.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تتطلب موقفاً عربياً أكثر وضوحاً وحزماً تجاه هذه الاعتداءات المتكررة.
فحماية الأمن القومي العربي تستوجب اتخاذ إجراءات سياسية ودبلوماسية قوية، تبدأ بمراجعة العلاقات مع إيران، وصولاً إلى تجميدها أو تخفيضها، وطرد سفرائها في حال استمرار هذه السياسات العدائية التي لا تخدم إلا الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
إن احترام سيادة الدول هو الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الأمم، وأي دولة تتجاوز هذا المبدأ وتعتدي على جيرانها لا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً في بناء الاستقرار الإقليمي.
لذلك فإن الرسالة العربية يجب أن تكون واضحة: أمن الدول العربية خط أحمر، وأي محاولة للمساس به ستواجه بموقف عربي موحد وصلب.
وفي خضم هذه التحديات، يبقى الأردن كما عهدناه دائماً، دولة الحكمة والاتزان، تقودها قيادة هاشمية واعية تدرك تعقيدات الإقليم وتتعامل معها برؤية استراتيجية بعيدة المدى.
لقد أثبت الأردن عبر تاريخه أنه ركيزة أساسية في استقرار المنطقة، وصوت عقل في زمن الصخب والصراعات.
نسأل الله أن يحفظ الأردن آمناً مستقراً، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والأمان، وأن يوفق جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يبقى الأردن بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية حصناً منيعاً في وجه كل من يحاول العبث بأمنه واستقراره.
حمى الله الأردن، وأدام عزّه ورفعته، وحفظ قيادته الهاشمية الحكيمة




