الدكتور محمد تيسير الطحان
في
بداية كل طريق، يبدو الجميع قريبين الوجوه كثيرة، والوعود أكثر، والكلمات دافئة
إلى حد يجعلنا نطمئن أن هذه الرحلة لن تقطع وحدنا ... نظن أن الذين بدأوا معنا
سيكملون معنا، وأن من أمسكوا بأيدينا في اللحظات الأولى سيبقون حتى آخر الطريق.
لكن الحياة، في حقيقتها، لا تمضي بهذه البساطة .
مع
مرور الأيام، تبدأ الأشياء في التغير .. بعض الأشخاص تسرقهم مشاغل الحياة، وبعضهم
تكشفه المواقف، وبعضهم يرحل بهدوء من دون خصام أو تفسير، وكأن وجوده كان موسما
وانتهى. عندها ندرك أن البقاء ليس وعدًا يُقال، بل موقف يثبت.
وأن كثيرًا ممن تحدثوا عن الوفاء لم يكونوا
قادرين على احتمال أول اختبار حقيقي للعلاقة ..
نحن لا
نخسر الناس دائما لأننا سيئون، ولا يرحل الجميع لأننا لم نكن كافيين. أحيانًا يرحل
الناس لأنهم مؤقتون، لأن دورهم في حياتنا كان محدودًا، لأنهم جاؤوا ليعلّمونا شيئا
ثم يمضوا.
وهذه
من أصعب الحقائق التي نتعلمها: ليس كل من أحببناه كتب له أن يبقى، وليس كل من
اقترب منا كان يشبه الأمان الذي تخيلناه
وقد
نكتشف بعد سنوات طويلة أن من بقي معنا إلى النهاية لم يكن شخصًا واحدًا فقط، بل
كان أيضًا ذلك الجزء الصادق داخلنا، الذي قاوم الانكسار، وصبر، وتحمل، وأعاد بناء
نفسه كلما سقط. أحيانًا يكون أعظم من بقي معنا هو نحن، حين لم نتخلَّ عن أنفسنا
رغم كل ما مرّ بنا. حين واصلنا السير بقلوب متعبة، لكن بأمل لم ينطفئ تمامًا
وفي
النهاية، سنفهم أن الحياة لا تقاس بعدد الذين مرّوا بنا، بل بعدد الذين صدقوا
معنا. لا بعدد الأصوات التي أحاطتنا، بل بعدد القلوب التي بقيت حين خفتت كل
الأصوات. وحين نلتفت خلفنا في آخر الطريق، سنعرف أن من بقي معنا حقًا لم يكن
الأكثر ادعاءً للحب، بل الأكثر صدقًا في أوقات الاختبار .




