*الدكتور الأزايدة يكتب...*
*الأستقلال:حكاية وطن يُولد ،وإرادةٌ شعب لا يُقهر، وحكمة قيادة لا تُهزم.*
بقلم : الدكتور محمد سلمان المعايعة الأزايدة /أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية.
مفهوم الاستقلال في عمقه يُعدّ رؤية وصناعة ، وعملية بناء مستمرة لا تتوقف، رؤية متجددة يصنعها القادة ويحميها وعي مجتمع مع كل تحوّل يشهده العالم لأن حماية الأستقلال يتطلب وعياً مجتمعياً صلباً وثقافة ناضجة ، فكما هي القيادة الحكيمة التي تصنع الأستقلال وتصونه من أجل البقاء، فإن وعي الشعب هو الدرع الذي يحمي هذا الأستقلال من التآكل والاختراق الفكري والثقافي ، ويعزيز قيم المواطنة والانتماء ، ويحمي الوطن من الوقوع في فخ التبعية بجميع أشكالها التي غالبا ما تتسلل من خلال الثغرات الاقتصادية،
فالقيادة الحكيمة هي التي تقود ثورة بيضاء في مناهج التفكير وتحول المعرفة إلى أدوات إنتاج لحماية أمن مجتمعها الفكري والاقتصادي الذي يعتبر خط الدفاع الأول عن الأستقلال لصناعة الوعي كدرع ، والسلام كمصير، الذي يسمح للقيم الإنسانية والابتكار بأن يزدهر ويكبر ويتمدد..
فالأستقلال يُعبر عن حكاية وطن يُولد من رحم التحديات ولا يغيب، وإرادة فولاذية لشعب لا يُقهر يأبى الأنكسار ، كبر بعزيمةِ شعبٍ آمن بأن الحرية حقٌّ لا يُنتزع إلا بالصبر والتضحيات ، وحكمة قيادة لا تُهزم تقود السفينة نحو بر الأمان لأنها تملك البوصلة والرؤية وبُعد النظر السياسي، قيادة تمتلك الجرأة على التغيير، والقدرة على تحويل الرؤى النظرية إلى واقع مؤسسي صلب يواجه رياح التغيير العالمي بكل ثبات، قيادة تعرف متى تناور وتقاوم من أجل سيادتها، وتتقن فن المناورة والتفاوض، وكيف تحافظ على مكتسبات الوطن في عالم مليء بالصراعات.
قيادة تحمي سيادتها ومؤسساتها بعقل ورؤية تؤمن بأن الاستقلال الحقيقي يُصنع بالقدرة على إدارة التوازنات في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء فكراً وتخطيطاً..فهذه المعادلات الذهبية هي التي تصنع فجر الاستقلال وتحميه عندما يمتلك الوطن القدرة على إدارة مصيره، وصناعة قراره، وبناء مؤسساته عبر الأجيال لصناعة الهوية والحرية والقرار السيادي الذي يمثل الروح المحرك للاستقلال ، فالأستقلال يُعدّ من أعظم الإنجازات التي تسعى إليها الشعوب وقيادتها، فهو رمز الحرية والكرامة والسيادة الوطنية،السيادة التي تُكتب بأيدي قادتها العظام وكفاح أبنائها من أهل العقول المبتكرة التي تعمل لتحرر الوعي والإرادة من قيود التبعية ليكون لها في التاريخ غاية وهدف، سواء كانت رسالة نهضوية، أو إبداعية، أو إنسانية تمنحها ثقلاً دولياً عندما تحقق معاني الأكتفاء والأمتلاء اللذين
يمثلان معاً حائط الصد الأول وشبكة الأمان الأقوى لحماية الوطن من الاستعمار والهيمنة والتبعية العمياء، حتى ينعم بحقه في تقرير مصيره وبناء مستقبله بإرادته الحرة..ولا يقتصر معنى الاستقلال على التحرّر السياسي فقط، بل يشمل أيضًا الاستقلال الفكري والاقتصادي والثقافي والاستقلال الحضاري الذي يُمكّن الوطن من التقدّم وهندسة نهضتة وصناعة حضارته عميقة الدلالات ووعي حافل بالإنجازات الحضارية التي تمنحهُ الشكلّ السيادي ويحرر الإرادة السياسيّة ويفضي إلى بناء قدرات ممتلئة قادرة على صناعة المستقبل وحمايته من خلال التعليم المتميز، والاقتصاد المرن، والسيادة التقنية، والجبهة الداخلية المتماسكة التي يرتفع فيها الوعي الثقافي والسلوكي، فكلما نضجت ثقافة المجتمع إرتقى ونضج سلوكهُ وأصبح عصياً على الاختراق التي تُثبت بأن الاستقلال ليس تاريخاً يُروى بل هو نهج حياة يُعاش، ومسؤولية تتجدد تتطلب ابتكاراً مستمراً الذي بدونه تصبح الدولة عرضة للاهتزاز.
لذلك يبقى الاستقلال مناسبة وطنية عظيمة تُجسّد وحدة الشعب واعتزازه بتاريخه وتضحيات أبطاله الذين يقولون بإن الأوطان لا تُباع ولا تُشترى.. ومن هنا جاءت قيمة ووزن وأهمية الاستقلال في المملكة الأردنية الهاشمية، لأنه لم يكن هدية من أحد، بل ثمرة نضال طويل كتبه الأبطال بعرقهم ودمائهم،فالاستقلال هو الذي يفرض السيادة التي هي الإطار القانوني، ويعطي الهيبة التي هي الروح التي تمنح هذا الإطار فاعليته، والمكانة التي تُعدّ الثمرة التي تجنيها الدولة من قوة سيادتها ورسوخ هيبتها؛ فالدولة القوية هي التي توازن بين ممارسة سلطتها السياديه وبين كسب ثقة شعبها بالهيبة لفرض احترامها على الصعيد العالمي لتعزيز مكانتها ونفوذها على الخارطةالدولية والإقليمية.
نقول بأن الأعلان عن ذكرى الإستقلال يُعدّ كفرحة العيد في نفوسنا لأهمية هذة المناسبة الوطنية كمنجز حضاري عميق الدلالة في تاريخ الدولة الأردنية الناهضة، وكأرث هاشمي مكتمل الحلقات يُشرق كفجرٍ ينساب نوره في الآفاق، ويُوقظ الهمم، ويبعث الحياة في عقولٍ تاقت إلى الحرية والرؤية الثاقبة وإمتلاك أدوات التحرر؛ فتمدد وتوسع هذا الأرث الهاشمي بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني إبن الحسين المعظم أعز الله ملكة إمتداد لأرث الأجداد وأمانة الأحفاد... الذي حمل الثقيلة وقدم الجزيلة وصان الأمانة ليبقى هذا الأرث الهاشمي عامراً ما أشرقت شمس الوطن وتعالت ، لذلك يطيبُ الحديث عن المناسبات والأعياد الوطنية تعظيماً لمكانتها وقدسيتها في نفوس أبناء الوطن الأردني الذي كبر وتمدد بقيادته الهاشمية العامرة ، ومن هذة المناسبات التي تتفتح لها الشهية أكثر للحديث عنها والأطلالة على معانيها ودلالاتها هو ذكرى عيد الاستقلال ، الذي يعني في مدلوله ومعناه ترسيخ لهوية الأمة الحضارية وعنوان سيادتها؛ ذكرى عيد الاستقلال تعني صناعة حضارة ووعي ناضج حافل بالإنجازات هندسها ملوك بني هاشم فكانوا صَُناع نهضة وحراس حضارة إنسانية مهابة الجانب...
فالاستقلال يُعدّ من أهم المناسبات في تاريخ الأردن ومنحز من إنجازاته الحضارية ، وذلك بالتخلص من انتداب الحكومة البريطانية عام ١٩٤٦.فما أن أشرقت شمس الهاشميين في عمان، حتى جاءت البشرى وتوسعت دوائر إشعاعها التنويرية والإصلاحية، فتقاطرت الإنجازات تلو الإنجازات الحضارية، فكانت البدايه في نشأة الدولة الأردنية والسعي نحو إقامة الدولة المستقلة في نهجها وقراراتها وبسط نفوذها على أراضيها ليكون لها الهيبة والوزن في الساحة الدولية والإقليمية، فقوة وتأثير الدولة الأردنية جاءت من هيبة قيادتها الهاشمية ووزنها المؤثر في صناعة القرارات الدولية ذات الأثر في دعم القضايا العربية ومشاريعها النهضوية والتنموية....
فالاستقلال في معناه هو التحرر من أي سلطة خارجية، بأي وسيلة كانت؛ فهو شهادة الميلاد الجديدة للدولة لكي تمتلك الإرادة السياسيّة والقرار السيادي ذات حرية سقفها السماء، محرره من أي قيود تفرض عليها من الخارج وليس لها أي تبعيه سياسية أو اقتصادية أو ثقافية لأي دولة كانت..دولة محررة من الاستعمار أو الانتداب، تملك إرادتها وسيادتها على أراضيها وشعبها وممتلاكاتها وقراراتها الاستراتيجية وبعيدة عن سياسة الإملاءات الخارجية، لذلك فأن من مقومات الاستقلال هو التخلص من التبعية السياسية والإقتصادية والثقافية وخاصة عندما نحقق الأكتفاء الذاتي والأمن الغذائي والمائي، ونحقق الأمتلاء في فائض القدرة المعرفية والرؤية والإرادة القوية في صناعة الوعي الفكري لخلق وزن وأهمية لشعبنا عندها نكون لسنا بحاجة إلى أي طرف وخاصة في فترات الأزمات والنزاعات والأضطرابات الدولية والإقليمية لأن الدولة التي لا تملك عناصر قوة ذاتية داخلية فانها في لحظات القلق والاضطراب تتحول إلى عبء على الحلفاء وتقل أهميتها ووزنها في ميزان الأهمية الدولية . وهذا ما تحقق بفضل جهود ملول بني هاشم الحافلة بالإنجازات الحضارية العظيمة فكان أول هذه الإنجازات الحصول على الاستقلال الذي يعتبر شهادة ميلاد قانونية لدوله جديده معترف بها دولياً ذات سيادة ودستور يحكم تشريعاتها ، وجيش يحمي أمنها وإستقراها بأعتباره أحد مراكب النجاة لأي دولة تبحت عن الإستمرار والبقاء ، فهذا الطموح جعل من الأردن دولة ذات سيادة قانونية وتاريخية وواحة الأمن والأمان والاستقرار في الإقليم والعالم وذات وزن عظيم في الساحة الدولية وعلى رأس طاولة إتخاذ القرارات فيما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية.
فالاستقلال ليس كلمات تروى وتُقال وتُحكى ، إنما هي أفعال تُصان بها الأوطان كرامتها ليكون لها مكان بين الدول والأمم ذات وزن ومكانه على الخارطة الدولية والإقليمية..
والاستقلال ليس مناسبة ندرسها في التاريخ ونحكيها للأطفال لكي يناموا بل هي أحداث تاريخية مشرفه قام بها أبطال نحكيها الي الرجال لكي يستيقظوا ويقتدوا بأمجاد الأبطال الذي صنعوا من الأشياء والأحداث إرثاً حضارياً وثقافياً وأخلاقياً يحمل اسمهم وموشح بالعلم الأردني زهواً وفخرا ومجداا..
ويمثل الاستقلال جوهر الإنجازات الحضارية والوطنية عبر مسيرة الدولة الأردنية، فقد شهدنا كثيرا من المنجزات والمنعطفات التاريخية البارزة خلال مسيرة البناء والإصلاح لهذه الدولة الفتية، ولعل من المنجزات التي يُشار إليها بالبنان في مئوية الدولة الأردنية الأولى وكانت من العلامات والمنجزات الحضارية والسياسية في تاريخ الأردن هو تحقيق الاستقلال عنوان للهوية والكرامة الأردنية صنعها الهاشميين الذين ضحوا بدمائهم لبناء الأردن الحديث، دوله عصرية متكاملة الأركان في هيكليتها وفي تشريعاتها وانظمتها ومكانتها الدولية والإقليمية المرموقة على الخارطة الدولية بانجازاتها الحضارية العظيمة...القيادة التي تصنع الاستقلال هي التي تتقن فن المناورة في الفضاءات الدولية بدلاً من الانجرار خلف الاستقطابات الحادة، وتفرض أجندتها الخاصة بناءً على مصالحها الوطنية أولاً. هذا النوع من القيادة يحول الدولة من ساحة للصراع إلى لاعب دولي يُحسب له ألف حساب كما هي القيادة الهاشمية وبراعتها في صناعة السياسه الدولية والإقليمية..
إنّ الاستقلال أكبر من مناسبة نحتفل بها كل عام، فهو استحضار للماضي بأمجاده وتاريخه المشرِّف، ووقوفٌ على الحاضر المليء بالإنجازات التي نفخر بها، رغم عِظَم التحدّيات.
ويعتبر استقلال الدولة واحدًا من الشروط الضرورية للأعتراف بشرعيتها، بل هو شرط في تعريف الدولة، إذ يُعرفها بعضُ رجال القانون الدولي بأنها «وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة إجتماعية لها حق ممارسة سلطة قانونية معينة على أمة مستقرة فوق إقليم محدد». وتباشر الدولة حقوق السيادة بإرادتها المنفردة، وعن طريق استخدام القوة المادية التي تحفظ هيبة الوطن من الأخطار والتّهديدات الخارجية والداخلية التي تواجهه وهذا ما تحقق ببناء جيش عربي أردني مؤهل ومدرب ذو كفاءة عالية القدر والمستوى في الميادين العسكرية والأمنية، ومعركة الكرامة الخالدة التي كسرت هيبة الجيش الإسرائيلي والدولة، وهزت جدرانه وهيبة الردع لدى الدولة الصهيونية شاهداً على بطولات هؤلاء الفرسان الذين حملوا الوطن بقلوبهم نسورا في سمائه وأسود على حدوده إيماناً منهم بأنه بالعزيمة والإرادة يتحقق النصر وتُحفظ كرامة الأوطان وتنهض الأمة، وبغير ذلك سيبقى المرتجفون ترتعش أياديهم لا يبنون أوطاناً... فالجيش هو حامي الاستقلال وحافظ الدستور لتبقىٰ شمس الوطن مشرقة ، فالعقيدة العسكرية للجيش الأردني تقول إن سكوت الأقوياء ليس ضعفاً وإنما هو فرصة للضعفاء أن يتكلموا قبل أن يصمتوا للأبد وهذا شعار الأقوياء الذين مكانهم في نوادي العظماء الأبطال عندما يختبروا في ميادين القتال وحماية الأوطان وحفظ هيبة المكان..
نعم الجيش والأجهزة الأمنية يعتبروا أحد الأذرع الرئيسية في المحافظة على منجزات الدولة، ومن عوامل المناعة من أية اختراقات خارجية قد تمس أمننا واستقرارنا والنيل من هيبة الدوله وإستقرارها..
للاستقلال معانٍ ودروسٍ وعبرٍ تدعونا لبذل المزيد من الجهد والعطاء والوفاء والعهد، وتجديد البيعة والحفاظ على معناها ومبتغاها ليبقى الوطن أنموذجاً يحتذى به بين دول العالم . فالحديث عن ذكرى عيد الاستقلال مناسبة حاضرة في وجدان الأردنيين، وتحكي قصة وطن بُني بإرادة وعزم القيادة الهاشمية، والشعب الأردني يحتفل بها مستذكرا ما قدمه الرعيل الأول من تضحيات وعطاء، فكانوا هؤلا الرجال هم الروافع والروافد التي قام عليها هذا البنيان الذي يستمد قوته من قوة شعبه وجيشه وقيادته الهاشمية الحكيمة.
لذلك فأن استقلال أي دولة يقتضي تحررها من كل أشكال الضغط والإكراه والتحكم الداخلي والخارجي ، وهذا التحرر يستلزم امتلاك الدولة عنصر القوة الكافية لفرض سلطتها وإنفاذ قراراتها ومواقفها, لأن المجال السياسي الدولي وإن كان يقوم على التعايش والتعاون والتشارك في مصالح معينة، فإنه يقوم أيضًا على التنافس والصراع والاختلاف والتفاوت في المصالح وموازين القوى، وهذا يتطلّب من كل دولة امتلاك القوة اللازمة والمناسبة لممارسة الاستقلال الفعلي، وأفضل قوة للدولة هو تحالفها مع شعبها من خلال بناء النسيج الاجتماعي القوى المتماسك الذي يشكل مصدات ضد أي اختراقات لهذا النسيج الاجتماعي القائم على ثوابت دينية واخلاقية وفكرية وإيديولوجية ثابته ، وتذويب الفوارق الاجتماعية بين طبقات المجتمع وزرع قيم الولاء والانتماء لتراب الوطن وقيادته فهذه الجوامع هي التي تجمعنا على حب الوطن والدفاع عنه مهما كانت الظروف والمنغصات الحياتية..
واليوم يستذكر الأردنيون الكثير من المحطات والتحديات التي استطاع الأردن فيها تحقيق الانجازات والتقدم للأمام من خلال استراتيجية الدبلوماسية الأردنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني إبن الحسين المعظم أعز الله ملكة تقوم على مبدأ تعظيم المكاسب ومواجهة التحديات دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحلفاء والأصدقاء وحتى الأشقاء..
صحيح أن الأردن خاض نضالا سياسيا من أجل الاستقلال اكثر من حروب الاستقلال التقليدية، ومع هذا بقي طوال خلال هذه الفترة يخوض هذا النضال السياسي دون توقف حفاظا على الاستقلال وفي مواجهة مشاريع الالحاق والتصفية وإعادة تشكيل المنطقة في زمن إزدحمت فيه الغيوم وكثرت فيه التحديات وشتدت فيه الأزمات وتعاظمت فيه الخصومات، وفي زمنٍ أيضاً تداخلت فيه الرؤى وتداخلت فيه الاتجاهات السياسية، فنهض الأردن بقيادته الهاشمية ورسم ملامح المستقبل الجديد ولم يثنيه مصادر التهديدات الخارجية وما يرتبط بها من مشاريع وتصفية والحاق ، بل أيضاً مرتبطة بشكل اساسي باستكمال مسار بناء الدولة الأردنية على حقائق الهوية والجغرافيا والتاريخ .
ويأتي هذا العيد متزامناً مع احتفالات المملكة بالثورة العربية الكبرى ، حيث المسيرة متواصلة بالبناء والعطاء والإصرار على الإنجاز من أبناء الوطن مقدمين فيه الأردن أنموذجا الدولة الحضارية التي تأخذ قوتها من تكاتف وتلاحم وتعاضد شعبها, بالإضافة لما حملته الثورة العربية الكبرى من ثوابت وطنية ومبادئ وقيم, يلتف حولها جميع الأردنيين.
أما من حيث ارتباط المناسبة بالمنجزات فحدّث ولا حرج، وقد كتب التاريخ وسيواصل الكتابة للكثير من الانجازات التي حققها الأردن بقيادته الهاشمية المظفرة على أيدي ابنائه وبناته على مر العصور والأزمان..هذه الإنجازات الحضارية التي تنقلع لها الرقاب لجمالها وقوة جاذبيتها الإنسانية نرفع لها القبعات إحتراماً وتقديرا...
تمر بنا المناسبة الغالية ونحن أحوج ما نكون فيه الى مراجعة شاملة لمسيرة الانجاز التي تحققت.. والبناء على ما أنجز.. والدعوة الى مؤتمر وطني نقيّم من خلاله كل تجربتنا الثرية.. في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية..وفي كل القطاعات..ولم يكن ممكنا أن يتحقق هذا النهج في الإنجازات الكبيرة العملاقة والتحولات الجذرية في جميع مجالات التقدم العمراني والصحي والثقافي والاجتماعي والتغير في ملامح هذه الأرض الطيبة لولا رغبة القائد في عصرنة هذه الدولة في اتجاه التطوير والتحديث لتكوين صورة مشرقة للدولة التي أصبحت نموذجاً في النمو والتطور والنهضة والتنمية والحداثة لمواكبة موجات التطور والنهوض في العالم.
نعم نهدف من الحديث عن معاني الاستقلال بأن نُعرف الاجيال المعاصرة والقادمة معنى الاستقلال وطبيعة التضحيات التي بُذلت من أجله لإقامة الدولة العصريه التي كانت بحجم الطموح العربي، بقيادة عربية هاشمية سعى لتشكيلها الملك عبدالله الأول؛ وحسبي بأن الذي أنقذ الدولة الأردنية خلال مئة عام هي حنكة القيادة الهاشمية وبراعتها، ووعي الشعب الأردني، ويقينهم بأن الهاشميين هم صمام الأمان، وسفينة الإنقاذ، ومظلة واقيه وحاميه لهذا المولود الشرعي متعدد الشرعيات الدينية والتاريخة والقانونية .
فالنهضة والتنمية بحاجة إلى مبشرين يبشروا بها من القادة الذين لديهم القدرة القيادية ورياض الدراية السياسية الفذة لإدارة الدول وخاصة التي تولد في ظروف ولادة صعبة لكنها تنهض بفضل حكمة وسياسة فرسانها وقادتها الهاشميون لأنهم ورثوا إرثا سياسياً، ودينيا وتاريخا وقاعدة شعبية عريضة من أحرار العرب ، وهي من أهم أدوات النجاح لأي قائد ، فتحققت لهم مفاتيح الزعامة السياسية والقياديه ، وهكذا سطر التاريخ السياسي في سجلاته زعامات تاريخية وأخرى سياسية غيرت مجرى التاريخ الإنساني فكان الهاشميين سادة هذه الزعامات وقادة مجالسها . هذه الزعامات السياسية من ملوك بني هاشم أرست لأوطانها معالم منيرة، وكانت تشكل إجابات لحاجات تلك الشعوب..وهذة القيادة الفذة هي التي شكلت عنواناً رئيسياً للإنجازات التي تعد إرث حضاري وهوية تعريفية بالدولة الأردنية بأنجازاتها السياسية والحضارية نتيجة لعبقرية قيادتها وفرسانها .
فقد واجهت الدوله إشراقات جميلة كما واجهت تحديات كبيرة هددت أمنها في ظل حروب ونزاعات وعنف وإرهاب وتداخلات خارجية إقليمية ودولية، ومؤامرات خارجية وداخلية، فضلاً عن أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية وبيئة طاغية..ومع ذلك نهضت وتقاطرت الإنجازات تلو الإنجازات وأصبحت شاهد على ولادة دوله عصرية متكاملة الأركان ، مما شكل إرث عميق لدولة عميقة في كل مراحل تطورها ونهضتها وتقدمها بفضل الرؤية الأستشرافية والبصيرة الثاقبة لقيادتها الهاشمية الحكيمة التي وضعت الدولة الأردنية على سكة النهضة والتنمية في كافة المجالات الإنتاجية والتي نسعى لتحديثها أكثر وأكثر بما يتناسب مع سمعة الأردن وأهله، ووزن قيادته الهاشمية العامرة.
إن الدولة الأردنية عبرت خلال مسيرتها بمنجزات ثقافية وحضارية أنتجت دولة راسخة بمؤسساتها، نتكئ عليها في مواجهة المتغيرات التي تستدعي التصدي لهذه التحديات برؤية نقدية بناءة نتطلع أن تستمر هذه القافلة وتسير ضمن الرؤية الملكية في الإصلاح والبناء الفكري والحضاري في التشريعات السياسية والاقتصادية والإدارية...
فنقول وطن يُحكم من الهاشميين لن يسقط.. فسقوط ريشة...لا يعني توقف الطائر عن التحليق...نعم الجبال عالية والهاشميون الجبل العالي الذي لا يتأثر بشدة العواصف وكثرتها..فرغم التباطئ في المسيرة لظروف تتعلق بالتحديات الداخليه والخارجية، لكنها لم تتوقف مسيرة البناء والتنمية والإصلاح ولن ينظفىء سراجها بأذن الله ، لان زيتها من دماء الشهداء الذين لا يموتون...بل ينبتون مشاريع شهادة تحكي مسيرة قيادة وزعامة، والهاشميون هم أول من روى تراب القدس بدمائهم فظلت مشاعل نور تحكي مسيرتهم لأنهم هم بناة حضارة إنسانية خلدها لهم التاريخ السياسي ، وبناءٌ وتخطيطٌ لمستقبل نراه بأذن الله مشرقا، وانه من حقّ الوطن والقائد علينا أن نعمل يداً واحدة، وبكل عزم وإرادة، لينعم أبناء الوطن بالعدالة والتنمية والازدهار، وليبقى الأردنّ قادراً على اجتياز العواصف والمنعطفات القاسية مهما بلغت..
ونقول لو كان الوطن يتكلمّ لقال للهاشميين كفيتم ووفيتم لأنكم البارين في الإنجاز والإبداع فكنتم المظلة الواقية والحامية لترابي ولأبنائي، حملتم رسالة إنسانية للبشريه كافة....
لذلك نقول لأبنائنا ونحن نتحدث عن الاستقلال رمز هويتنا وكرامتنا بأن الوطن ليس فندقا نغادره حين تسوء خدماته، ولا مطعما نذمهُ حين لا يروق لنا طعامهُ...ولا حديقة لتنزه نغادرها عندما تنتهي متعة التنزه !!! الوطن شرف وعز وانتماء وولاء فلا شيء يعادل تراب الوطن إلا الروح. فالوطن يمنح الأمن والأمان والعيش الكريم والشرف والكرامة لكل من يتنفس هواءه، فالمهم والأهم أن نقدر ونجل ونحترم هذا العطاء، هذا الوطن الذي يمثل وعاء كبير جمعنا ولم يشكوا من كثرتنا ولا من اختلافاتنا ولا من مذاهبنا وسلوكياتنا ومشاكساتنا، هذا الوطن الذي نحمل هويته في قلوبنا دعونا نحافظ علية!! فالوطن ليس للتجارة..
لذلك فإن سر قوتنا هو في وحدتنا وتضامننا خلف القيادة الهاشمية لتبقى دوماً سلاحنا للصمود والانتصار مهما تعالى موج العدوان...
وعلينا أن نحمي انجازاتنا السياسية والاقتصادية والأمنية والوطنيه وأن نوسعها من خلال تحالفاتنا مع أنفسنا وتعاضدنا نحو تحقيق الأهداف النهضوية والتنموية في التنوير السياسي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي والإنساني ونكون حراس لهذه النهضة كما هي رسالة الهاشميين المنبثقه عن فحوى ومباديء الثورة العربية الكبرى التي انطلقت أساساً لتحرير الهوية العربية ليكون لها حضورها وتميزها بين دول العالم...ففي ذكرى الاستقلال، نرفع الهامات فخرًا، ونستحضر تضحيات الآباء والأجداد، لنؤكد أن الوطن سيبقى قويًا ما بقي أبناؤه أوفياء لرسالته، مؤمنين بأن الكرامة والسيادة والعمل هي الطريق نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا....ليكون الوطن بيتاً آمناً للجميع دون تمييز...
نعم ذكرى عيد الاستقلال ليس تاريخًا يُروى فحسب، بل روحٌ تتجدد في كل جيل ، تُذكّرنا بأن الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها، وتعلو بوحدة صفّهم، وتبقى شامخةً بوفائهم لها...فهو إنجازُ لقادةٍ عظام حملوا الأمانة بإخلاص، وشعبٍ أبيٍّ لم تنحنِ إرادته رغم التحديات، فصنعوا معًا مجدًا يليق بتاريخ الأمة ومستقبلها.
هكذا تعلمنا من الشرفاء الذين حملوا شرف العسكرية بأن الوطن يعادل الروح فأول ما تعلمنا من الآباء والأجداد الدرس الأول في أبجديات الإنتماء والولاء والوفاء لتراب الوطن، والتباهي بحمل هويته.. نعم علينا أن لا نجعل علاقتنا مع الوطن كعلاقتنا مع فرق الإسعاف والطوارئ لا نتصل بهم إلا عند الحاجة وعند البلاء..فالوطن يصان ويحمى بالإنتماء لترابه والولاء لقيادته..
نعم يبقى عيد الاستقلال مناسبة لتجديد العهد بين الشعب والقيادة، للتطلع نحو مستقبل يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويستثمر في طاقات الإنسان الأردني باعتباره الثروة الحقيقية للوطن...فالدول التي تستثمر في العقول المبدعة هي التي تقود العالم نحو المستقبل
لتعبر عن هويتها وتاريخها وحضارتها ، والقدرة على الإنتاج والبناء والابتكار والتعايش لصناعة المستقبل لأنه لا يوجد استقلال كامل لمن لا يملك مفاتيح تكنولوجيته وآمنه الغذائي والمائي والطاقي التي تمكنهُ من إتخاذ قراره بدون إملاءات خارجية..
في يوم الاستقلال ستستمر القافلة ومسيرة العطاء بأذن الله تعالى ، وسيكون هناك رصيد متراكم من القوة والنماء والتقدم ومواكبة لغة العصر في النهج وبناء الفكر والمعرفة التي تُعد أحد سمات قوة الدولة ورفعتها ..ونقول من باب التفاخر بقيادتنا الهاشمية أن كانت الأمم تتباهى بمناراتها الفكرية والاقتصادية والأمنية وقوتها العسكرية ، فإن الهاشميين من تلك الشموع التي لا تنطفئ لهذة الركائز والمقومات ، ومن تلك النخب القادة التي تترك أثرًا في صفحات التاريخ، وتمنح الفكر قوته، والعلم نوره، والقيم ثباتها في زمنٍ تداخلت فيه الرؤى وتداخلت فيه الاتجاهات السياسية والمصالح الاستراتيجية بعيدا عن القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية.. والاستقلال الحقيقي لا يتوقف بل يبدأ عندما يبني المواطن وطنه بإخلاص، ويحافظ على قوانينه، ويجعل العلم والعمل طريقًا لرفعته لنحقق معاني الاستقلال الذي هو مشروع ومسيرة مستمرة لا تتوقف في البناء والإصلاح للمحافظة على ما أنجز ، فالاستقلال الذي بدأ بالتحرر العسكري والسياسي، يستمر اليوم من خلال
الاستقلال الاقتصادي في بناء اقتصاد قوي يعتمد على الإنتاج الذاتي والابتكار والتحديث والتطوير في التشريعات السياسية والاقتصادية والإدارية مع التركيز على
الاستقلال الفكري والمعرفي لتمكين العقول الوطنية لكي تنهض، والاعتزاز بالهوية والثقافة والأصالة مع الانفتاح الواعي على العالم ليكون بين أيدينا منجز حضاري عميق كهوية تعريفية بالدولة الأردنية،وشعبها وقيادتها الهاشمية الحكيمة صانعة الإنجازات الحضارية والإنسانية..
نعم قد تمر الدول بأزمات وضغوط، وقد تواجه تحديات سياسية أو اقتصادية لكن التاريخ يعلمنا حقيقة واضحة أن الدول قد تُختبر بالأزمات، لكنها لا تسقط إلا عندما يُضرب وعيها من الداخل ، ولهذا يبقى وعي شعبنا الأردني الحر ، وتناغمه مع مؤسسات الدولة السيادية هو خط الدفاع الأول عن استقلالنا وسيادتنا وكرامتنا ،لذلك علينا أن لا نجعل الاستقلال حدثاً تاريخياً ساكناً نلتفت إليه لنرويه ونمجد ماضيه، بل نجعله مسؤولية متجددة نعيشها لنصنع من خلالها سيادة وطنية لا تنحني أمام التحديات...
الاستقلال ليس حدثاً يُروى في كتب التاريخ، بل هو مسار يصنعه القادة العظام الذين يملكون الشجاعة لإعادة صياغة الحاضر، ويمتلكون الرؤية لاستشراف المستقبل، ويؤمنون بأن الاعتماد على الذات والابتكار هما الضمان الوحيد لاستدامة السيادة والكرامة الوطنية كما تعلمناها من مدارس الهاشميين صُناع الحضارة الإنسانية وحراس النهضة..
نعم الاستقلال ليس إرثاً نكتفي بالفخر به، بل هو أمانة ومسؤولية تتجدد كل يوم في فكرنا وعملنا وعزيمتنا على إبقاء راية الوطن عزيزة شامخة كما هي حلم الآباء والأجداد وأصبحت أمانه مقدسة ومُصانه لدى الأحفاد..؟
وأخيرًا نقول هذا هو الأردن الكبير في جيشة وشعبة،، والعظيم في قيادته الهاشمية العامرة صانعة التاريخ المشرف للأمه العربية، ونقول أيضاً للذين لا يعرفون تاريخ الأردن وجيشه الباسل بأن الأردن بقيادته الهاشمية بحر عميق وإياكم التوغلُ في أعماقه أكثر ، والحذر من أمواجه إن لم تجيدوا السباحة... !!!
حفظ الله الأردن قيادةً وشعباً، ودامت قوافل الهاشميين عامرة بالعطاء ومنارة تضيء دروب المستقبل ، متجددة في طموحاتها ومستمرة نحو آفاق أرحب من التميز والإنجاز إرثاً ممتداً...يداً بيد لصياغة مستقبل مشرقاً يليق بوطننا العزيز وأبنائه الأوفياء الذين كتبوا التاريخ بدمائهم وحفظوا الأمانة ليظل وطنهم دائماً عزيزاً، سيداً، وهيبته مُصانة ومُقدسة...؟
وكل عام وجلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني إبن الحسين المعظم ،وولي عهده الأمين الأمير حسين بألف خير وعافية، ويطول بعمر سيدنا ليبقى رأية عالية نتفاخر ونتباهى به بين الأمم والشعوب..وأن يعم السلام في أوطاننا وتستمر القافلة الهاشمية العامرة بالعطاء والتميز...
الدكتور محمد سلمان المعايعة الأزايدة/ محافظة مادبا.




