الشيخ محمد الزبون الحجايا
المعنى الأسمى الأضحية...
ليست الأضحية شاةً تُذبح فحسب،
ولا دماً يُراق على عتبات المواسم،
ولا لحماً يُقسّم بين البيوت،
بل هي درسٌ إلهيّ عظيم، كُتب بلغة الرحمة قبل أن يُكتب بلغة الأحكام.
فالله سبحانه لا تنفعه ذبيحة، ولا يبلغه جوع فقير أو شبع غني، فهو الغنيّ عن العالمين، الذي لو اجتمع الخلق كلهم على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولو اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص من ملكه شيئاً.
وقد قال سبحانه:
﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾.
هنا تتجلّى فلسفة الأضحية في أبهى صورها؛
إنها ليست غذاءً لله تعالى، حاشاه سبحانه، بل غذاءٌ للروح كي لا تصدأ، وللقلب كي لا يقسو، وللمجتمع كي لا يتحول إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف.
الأضحية في حقيقتها إعادة توزيع للرحمة قبل أن تكون توزيعاً للحوم.
هي أن يشعر الفقير أنّ للعيد باباً يُفتح في وجهه، وأن رائحة الشواء ليست حكراً على موائد الأغنياء، وأن أبناءه يحق لهم أن يفرحوا كما يفرح أبناء الميسورين.
ما أعظم هذا الدين حين جعل أبواب القرب من الله تمرّ عبر حاجات الناس!
فالزكاة لا تصعد إلى السماء حتى تمرّ على يد فقير،
والصدقة لا تزهر في صحيفة صاحبها حتى تمسح دمعة محتاج،
والكفارات إطعام وكسوة وفداء،
حتى النسك ذاته مرتبط بإحياء معنى البذل والعطاء.
كأن الله سبحانه يريد أن يعلّم الإنسان أن الطريق إليه لا يُعبد بالكلمات وحدها، بل بالرحمة، وأن العبادة التي لا تثمر إنسانيةً ورحمةً ليست سوى طقوسٍ جوفاء بلا روح.
إذا أردت أن تقترب من الله، فاقترب من المنكسرين،
ادنُ من البيوت التي أرهقها العوز،
ومن القلوب التي أثقلها الحرمان،
امسح وحشة الأيام عن يتيم،
وأدخل السرور على أمٍّ أخفت دمعتها كي لا يراها أطفالها،
وأشعر الفقير أنّ له مكاناً في هذا العالم، وأن الله لم ينسه.
هناك…
في ارتجافة يدٍ تمتد بالعطاء،
وفي دعوة عجوز خرجت من قلبٍ صادق،
وفي فرحة طفل حمل قطعة لحم كأنها كنز العيد،
هناك تسكن المعاني الكبرى للأضحية.
ما أروع التشريع الإلهي حين يبني المجتمعات بالتراحم لا بالتوحش،
وبالتكافل لا بالأنانية،
ويجعل من الأعياد مواسم لرتق الشقوق بين الناس، لا مواسم للمظاهر الفارغة.
فالأضحية ليست ذبح شاة فحسب…
بل ذبح القسوة في داخلنا،
وذبح الأنانية،
وذبح شعور الاستعلاء على الفقراء.
وحين يفهم الإنسان هذا المعنى، يدرك أن الله لم يفرض العبادات لأنه يحتاجها، بل لأننا نحن الذين نحتاجها كي نبقى بشراً.




