القلعة نيوز
في الوقت الذي تبحث فيه المؤسسات التربوية عن موارد جديدة للتطوير، تثبت مدرسة زين الشرف الثانوية - مديرية التربية والتعليم لمنطقة الطفيلة، أن أعظم الموارد قد تكون كامنة في زوايا مهملة، أو مساحات غير مستثمرة، أو أفكار بسيطة تؤمن بأن العمل التطوعي قادر على صناعة التحول الحقيقي.
لقد انطلقت سلسلة من المبادرات النوعية تحت مظلة العمل التطوعي، مستندة إلى رؤية تقوم على الاستغلال الأمثل لمرافق المدرسة وإعادة توظيفها بصورة إبداعية تحقق أثرًا تربويًا وإنسانيًا مستدامًا، لتتحول المدرسة إلى ورشة عمل نابضة بالحياة، يتشارك فيها الطلبة والمعلمون والمجتمع المحلي صناعة التغيير.
فمن مستودع للأثاث واللوازم التالفة وُلدت مبادرة "بعُمرٍ جديد"، التي أعادت تأهيل مساحة مهملة وتحويلها إلى قاعة تدريبية رقمية متعددة الأغراض، مجهزة لخدمة التدريب والاجتماعات والأنشطة التعليمية الحديثة. وقد أسهمت هذه المبادرة في تعزيز التعلم التفاعلي، وتنمية مهارات الابتكار والتفكير لدى الطلبة، ودعم التحول الرقمي داخل المدرسة، لتصبح المساحة التي كانت يومًا مهجورة مركزًا للإبداع والتطوير.
وفي إطار الاهتمام بصحة الطلبة وسلامتهم، جاءت مبادرة "حصن الصحة" التي تم من خلالها إنشاء غرفة صحية متكاملة لم تكن موجودة سابقًا، لتوفير الرعاية الأولية والتوعية الصحية وتعزيز السلوكيات الوقائية، بما انعكس إيجابًا على صحة الطلبة ووعيهم، وأسهم في إيجاد بيئة مدرسية أكثر أمانًا واستقرارًا.
أما مبادرة "بين رفٍ وانتظار"، فقد نجحت في تحويل أوقات الانتظار والفراغ إلى فرص للمعرفة من خلال إنشاء زوايا قرائية جاذبة في ساحات المدرسة، أتاحت للطلبة التواصل اليومي مع الكتاب، وأسهمت في تعزيز ثقافة القراءة والتعلم الذاتي واستثمار الوقت بصورة إيجابية.
ولأن المدرسة تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء الوعي الإنساني، فقد جاءت مبادرة "على مقاسهم" لتتيح للطلبة معايشة تجارب فئات مختلفة من المجتمع، كذوي الإعاقة واللاجئين والمغتربين وضحايا الحروب والأسر المفككة، من خلال زوايا تفاعلية وتجارب محاكاة عززت قيم التعاطف والتقبّل والاندماج الإنساني.
وفي جانب الدعم النفسي والاجتماعي، برزت مبادرة "فضفضة طبشورة" كمساحة آمنة للتعبير عن المشاعر والأفكار والهموم، حيث أتاحت للطلبة فرصة الحديث والكتابة والتعبير الحر في بيئة قائمة على الثقة والاحترام، مما عزز الصحة النفسية والانتماء والشعور بالأمان المدرسي.
كما جسدت مبادرة "مريول الإخوة" أسمى معاني التكافل الاجتماعي، من خلال توفير الملابس المدرسية للطالبات عبر نظام قائم على الأخذ عند الحاجة والعطاء عند الاستغناء، بما يحفظ الكرامة ويعزز قيم المشاركة والمسؤولية المجتمعية والاستدامة.
ولم تغب السلامة العامة عن هذه المسيرة، حيث جاءت مبادرة "أمانٌ في مكانه" لمعالجة أحد التحديات المتعلقة بموقع خزان الكاز داخل المدرسة، من خلال نقله إلى موقع أكثر أمانًا، بما عزز معايير الأمن والسلامة وحمى الطالبات والعاملات من أي مخاطر محتملة.
كما كان للجانب الروحي نصيب من هذه الجهود، من خلال مبادرة "محراب النور" التي هدفت إلى إنشاء مصلى مدرسي يوفر بيئة روحانية آمنة ومهيأة للعبادة، تعزز الطمأنينة والقيم الإيمانية والانتماء الروحي لدى الطلبة والمعلمات.
ولأن المعرفة تبدأ من الصف، جاءت مبادرة "رفّ المعرفة" لتحويل مساحة غير مفعلة داخل الغرفة الصفية إلى مكتبة صفية نابضة بالحياة، أتاحت للطلبة الوصول السهل إلى الكتب والقصص، وأسهمت في تنمية مهارات القراءة والبحث والتعلم الذاتي.
لقد تجاوز أثر هذه المبادرات حدود المكان، فانعكس على الطلبة من خلال تنمية مهاراتهم وقيمهم واتجاهاتهم الإيجابية، وعلى المعلمين من خلال توفير بيئات تعليمية أكثر فاعلية وتحفيزًا، وعلى المدرسة من خلال تحسين مرافقها واستثمار مواردها وتعزيز هويتها المؤسسية، كما امتد أثرها إلى المجتمع المحلي عبر ترسيخ ثقافة التطوع والتكافل والاستدامة والشراكة المجتمعية.
إن هذه المبادرات تؤكد أن التطوع ليس نشاطًا عابرًا، بل هو منجمٌ حقيقي للأفكار والفرص والإنجازات. وعندما تتكاتف الجهود وتؤمن العقول بأن كل زاوية مهملة تحمل فرصة كامنة، تتحول المدارس إلى بيئات ملهمة تصنع الأثر وتبني الإنسان وتمنح المكان حياةً جديدة.
وهكذا تبقى "مناجم التطوع" شاهدةً على أن أعظم الإنجازات تبدأ بفكرة، وأجمل التغييرات تبدأ بإرادة تؤمن أن كل مساحة يمكن أن تصبح قصة نجاح.
الدكتورة خديجة الزغاميم




