القلعة نيوز:
في الوقت الذي يواجه فيه الأردن تحديات اقتصادية متراكمة، وضغوطاً إقليمية متزايدة، ومخاطر خارجية تفرض على الدولة والمجتمع أعلى درجات اليقظة والمسؤولية، تبرز بين الحين والآخر تصريحات ومواقف لا تسهم في معالجة هذه التحديات، بقدر ما تثير الجدل وتشتت الاهتمام عن الأولويات الوطنية الحقيقية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً يدرك طبيعة الظروف التي تمر بها الدولة، ويضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أخرى. فالأردن، الذي استطاع عبر عقود طويلة تجاوز الأزمات ومواجهة التحديات، لم يحقق ذلك إلا بفضل تماسك جبهته الداخلية وثقة مواطنيه بمؤسساته وإيمانهم بأن وحدة الصف الوطني هي الأساس الذي تستند إليه قوة الدولة واستقرارها.
ومن المؤسف أن تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر أطروحات وأفكار تجاوزها الزمن، أو محاولات لإعادة إنتاج انقسامات لا تخدم سوى إضعاف الجبهة الداخلية وإشغال الرأي العام بقضايا لا تنسجم مع متطلبات المرحلة. فالدول لا تُبنى بالشعارات المثيرة للجدل ولا بالمزايدات السياسية، وإنما تُبنى بالعمل الجاد واحترام مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن الوحدة الوطنية كانت وما زالت صمام الأمان الحقيقي للدولة. فعلى امتداد تاريخ الأردن الحديث، شكلت هذه الوحدة السياج الذي حمى الوطن من الاضطرابات والتحديات ورسخت حالة من الاستقرار مكنت الدولة من الاستمرار والتطور رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بها. ولذلك فإن الحفاظ على هذه الوحدة وتعزيزها ليس خياراً سياسياً أو موقفاً ظرفياً، بل واجب وطني ومسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الهوية الوطنية الأردنية بوصفها أحد أهم مرتكزات الاستقرار والتماسك المجتمعي. فالهوية الوطنية الأردنية ليست مجرد عنوان قانوني أو إداري، بل هي منظومة من القيم والانتماء المشترك والولاء للوطن ومؤسساته، وهي الإطار الذي يوحد المواطنين حول مصالحهم الوطنية العليا ويعزز قدرتهم على مواجهة التحديات بروح واحدة وإرادة مشتركة.
إن الأردن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويعزز الهوية الوطنية الأردنية باعتبارها الركيزة الأساسية لوحدة المجتمع وقوة الدولة واستقرارها. أما المزايدات والشعارات التي تثير الجدل أو تضعف الثقة بالمؤسسات، فلن تنتج إلا مزيداً من التشويش في وقت تتطلب فيه المصلحة الوطنية التكاتف والوحدة والوعي بحجم التحديات التي تواجه الدولة.
وفي النهاية، يبقى الأردن قوياً بوحدة أبنائه، ومتيناً بهويته الوطنية الأردنية، وقادراً على تجاوز التحديات عندما تتقدم لغة المسؤولية والعقل على لغة الانقسام والمزايدة. فحماية الوطن والحفاظ على استقراره وتعزيز مناعته الوطنية مسؤولية مشتركة تتطلب من الجميع التمسك بالثوابت الوطنية والعمل من أجل مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً....
د. صالح العرود
متصرف سايق




