ولد الهدى...
الحلقة التاسعة والعشرون ..
القلعة نيوز -
سلسة من إضاءات في حياة سيد الخلق صل الله عليه وسلم ، تسعى لإضاءة جوانب مختلفة من حياته، تهدف إلى إحداث نقله من الفهم النظري إلى التطبيق العملي، الذي قد يخرجنا ويخرج الأمة من هذا الوضع الذي نعيش فيه.
الرشد ...
إن الرشد هو مرحلة متقدمة من الوعي الإنساني للمنهج الرباني، والتفاعل الحي بين العقل والواقع والمنهج، للوصول إلى الفهم السديد لما يريده الله من البشر في هذه الأرض، وهنا أعود مجبرا إلى مفهوم الإستخلاف، الذي سعى الله من خلال كتابه وسنة نبيه أن يجعله لنا منهجا، والاستخلاف غير الخلافة طبعا، وهنا اذهب مع العلماء الذين قالوا ان الحكم في الإسلام مفتوح على ما وافق المنهج الرباني، وهو الإسلام بصورته النقية في زمن النبوة، وما تحمل هذه الصورة من نماذج تطبيقية مختلفة، ولذلك وضع كافة السبل التي تؤدي إلى أن يصل الإنسان إلى مفهوم الإستخلاف في الأرض، والتي لن تتحقق بدون تحقق الرشد في الإنسان، إذا هناك إنسان راشد، وهناك مجمتع راشد، وهناك حضارة راشدة، وهناك حكم راشد من قبل الإنسان للإنسان في هذه الأرض، وهذا لا ولن تتحقق إلا بالعودة إلى الفهم الصحيح للدين، والتطبيق الصحيح له، والتفاعل بين الإنسان والإنسان، والإنسان والكون، بتوظيف العقل بعد فهم المنهج، والوصول إلى الرشد فيه، عندها تحقق البشرية او الإنسانية مفهوم الرشادة والإستخلاف، وتحقق هدف الله من خلق الإنسان، وهو أن يكون خليفته الراشد في هذه الأرض .
في القراءة الأسبوعية لسورة الكهف وقفت مع الرشد، والذي يتكرر في السورة بشكل يحثك على البحث عن هذا المفهوم، وفي السعي لفهم هذا المصطلح بحثت في أقوال المفسرين والمفكرين، عن فهمهم الدقيق لهذا المصطلح، ولقد وقفت على معان تستحق إن يقف الإنسان معها باحثا ومفكرا.
فقال تعالى "ولقد أتينا إبراهيم رشده من قبل"، وفتية الكهف يسألون الله جل في علاه الرشد، وحتى الجنّ تساءلت هل أراد الله بهؤلاء البشر رشدا بهذا الكتاب الذي انزله، وموسى يبحث عن الرشد ويسأل الرجل الصالح أن يتبعه لعله يناله، ولماذا يصرف الله من في قلبه كبر عن إتباع سبيل الرشاد، ولماذا لا أكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي. وإذا كان الرشد هو الهدى وسداد الرأي، فلماذا يبحث عنه موسي عليه السلام وهو نبي، والنبي مستغن عن الرشد فهو يحمل سبل الهداية والتشريع، فهو نبي وهو تحققت فيه الهداية ولديه التشريع، ولكن البحث هنا عن شيء أخر، هو يسعى إلى الرشد، وهنا الفتية في الكهف هم فروا من قومهم لعملهم بأن قومهم على ضلال، وهم يسعون إلى الهداية، ومع ذلك سألوا الله الرشد، وحتى تلك الفئة من الجنّ، يتسألون هل هذا الكتاب الذي انزله الله هو من سبل الرشاد للبشر، وهل سيحقق للبشر الرشاد؟.
يذهب إبن عاشور إلى أن الرشد هو" الفهم الصحيح المستنير للحقائق الدينية والعقلية، وهو يتصل بالهداية إلى الطريق الصحيح في الاعتقاد والعمل. وفي تفسيره للقرآن، يركز على المفاهيم التي ترتبط بالفهم السليم للدين والإيمان، ويركز على ضرورة التوازن بين العقل والوحي. ويوضح أن الرشد هو الفهم الصحيح للدين، الذي يشمل اتباع هدي الله ورسوله والعمل الصالح بناءً على هذا الفهم. ويذكر أن الرشد في القرآن لا يعني مجرد المعرفة، بل يعني السلوك المستقيم الذي ينتج عن هذه المعرفة. فهو لا يتوقف عند الجانب النظري فقط، بل يشمل التطبيق العملي للقيم الدينية. وإلى أن الرشد يختلف عن الضلال، حيث أن الضلال هو الانحراف عن الطريق المستقيم بسبب إما جهل أو اتباع هوى النفس أو التأثر بالباطل. وبالتالي الرشد في نظر ابن عاشور هو الطريق الذي يحقق التوازن بين العقل والشريعة، ويهدي الإنسان إلى السلوك السليم الذي يرضي الله عنه".
ويضيف الأمام محمد الغزالي إلى أن الرشد، يتطلب الفهم الواعي للدين بعيدًا عن التفسير الخاطئ أو التمسك بالجمود الفكري. ويشير في كتابه "الفقه الإسلامي" إلى أن الرشد لا يتحقق إلا إذا تضافرت مجموعة من العوامل مثل: الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، والاعتقاد القويم، والتطبيق الفعلي لما تعلمه المسلم في حياته اليومية".
اما سيد قطب فقد تناول مفهوم الرشد في كتبه بشكل موسع، وركز على أنه ليس مجرد فكر ديني نظري، بل هو طريق هداية يقود الإنسان إلى الفهم الصحيح للإسلام والسلوك وفقًا لمبادئه. في تفسيره للقرآن "في ظلال القرآن"، يُظهر الرشد كجزء من الرؤية الشاملة التي تقدمها الشريعة الإسلامية للحياة، والتي تنبثق من الفهم العميق والممارسة الصادقة للدين.
اما الامام محمد عبده فهو يرى الرشد" باعتباره الفهم السليم الذي يقود إلى الطريق المستقيم، والذي يتحقق من خلال استخدام العقل وفقًا لتعاليم الشريعة الإسلامية. فهو مهتم بتجديد الفكر الديني، وكان يركز على ضرورة التوفيق بين العقل والنقل، فهو يرى أن الرشد هو العلم والعمل الصحيح الذي يتوافق مع الحكمة الإلهية. ويربط بين الرشد والعمل الصالح، مؤكدًا أن الرشد لا يتحقق إلا عندما يتم اتباع الهداية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، بعقل مفتوح وفكر نقدي. ويرى أن الرشد يتطلب التفاعل بين الوحي والعقل، مع الابتعاد عن الجمود الفكري. ويوضح أن الرشد يتطلب إعمال العقل في فهم النصوص الدينية وتفسيرها بما يتناسب مع احتياجات العصر، وبالتالي يمكن للأمة الإسلامية أن تنهض عندما يعود الناس إلى الفهم الصحيح لدينهم، بعيدًا عن الخرافات والبدع. ويربط بين الرشد والحرية العقلية والتفكير النقدي الذي يحرر الإنسان من التقليد الأعمى، ويقوده إلى الفهم الأعمق للأمور الدينية والدنيوية على حد سواء. ويؤكد أن الرشد لا يتحقق إلا عندما يتحرر الفكر المسلم من القيود التي تفرضها العادات والتقاليد، وتحول دون التزام بالنصوص الشرعية. إذا هو يرى أن الرشد هو الفهم العميق المتوازن الذي يجمع بين الإيمان والعقل. وهو مسار يتطلب التفاعل مع النصوص الدينية بعقلية نقدية وفهم معاصر، مما يساعد المسلم على التقدم والنهضة في عصره دون الانحراف عن المبادئ الأساسية للإسلام.
بينما يرى مالك بن نبي، الرشد هو إصلاح المجتمعات الإسلامية والنهوض بها من خلال فهم ديناميكي ومتجدد. وقد ربط الرشد بالقدرة على التفكير النقدي، والوعي الاجتماعي، والقدرة على بناء المجتمعات الإسلامية بناءً على المبادئ الدينية مع مراعاة متغيرات العصر. وهو ليس مجرد مفهوم فردي، بل هو مرتبط بشكل أساسي بتطور المجتمعات والأمم. ويوضح أن الرشد يتحقق عندما يتبنى المجتمع الإسلامي فكرًا مستقلًا، يعتمد على المبادئ الدينية مع مراعاة التطور الحضاري. كما يرى أن الرشد هو القدرة على التفاعل الإيجابي مع مشكلات العصر، ورفض التبعية الفكرية والحضارية، والعمل على بناء نهضة إسلامية تنبثق من الداخل وليس عن طريق التقليد. ويعتبر أن القرآن الكريم يوجه البشرية نحو الرشد، الذي يتطلب من المسلم أن يكون واعيًا، فاعلاً، وقادرًا على التعامل مع الحياة وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. ويربط الرشد بقدرة الأفراد والمجتمعات على التحرر من الجمود الفكري، والابتعاد عن الخرافات والتقاليد غير الإسلامية. ويرى الرشد باعتباره الطريق الذي يؤدي إلى النهوض الحضاري. يربط الرشد بالتفكير العقلاني في التعامل مع القيم الإسلامية وتطبيقها، بشكل معاصر يتناسب مع حاجات المجتمعات المسلمة في العصر الحديث. ويرى أن المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن تحقق الرشد الحقيقي، إلا إذا قامت على أساس من العلم والعمل الجاد. في النهاية يرى مالك الرشد هو الفهم الحي والمستمر للإسلام الذي يتفاعل مع التحديات العصرية، ويعتمد على العقل والإبداع لبناء حضارة إسلامية قوية ومتجددة. إذا الرشد عنده يتجاوز الجانب الفردي ليشمل تطوير المجتمعات وفقًا للمبادئ الدينية والظروف المعاصرة.
ومن هنا تدرك حجم الرشادة التي كان يتمتع بها الرسول صلوات ربي عليه، والفهم والتطبيق بكل ما في الوعي والرشد من معنى، ويبدو ان الرشد هو من طرق تحقيق الإستخلاف في الأرض، ويحتاج عقل واعيا وحرية فكرية ، واتباع حقيقي للمنهج الرباني حسب فهم الرسول صل الله عليه وسلم ...
إبراهيم أبو حويله ...




