اسعد بني عطا
أشارت الصحافة الأمريكية إلى أن الحملة الإسرائيلية ضد لبنان بدأت بآمال عريضة ، ثم تحولت إلى مأزق يبدو فيه حزب الله أقوى مما كان عليه عند بداية الحرب ، وقد جاء أمر ( نتنياهو ) بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت والذي تراجع عنه لاحقا ، بمثابة اعتراف بأن الاستراتيجية الإسرائيلية التي تقوم على دفع الحزب إلى التراجع من خلال احتلال أراضٍ لبنانية واجهت الفشل ، وقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية مقتل أكثر من ( 27 ) جنديًا وضابطا ، وإصابة ( 1243 ) آخرين في هجمات نفذها حزب الله منذ شهر ( 2026/3 ) في ظل التصعيد المستمر على الحدود مع لبنان ، وبناء على تهديدات ( نتانياهو ) بتسريع العمليات وسحق حزب الله ، تم نشر قوات كبيرة لتوسيع العمليات البرية للسيطرة على مناطق استراتيجية ، وتوغل الجيش الإسرائيلي بعد إنذارات متكررة بإخلاء عشرات القرى والمدن ، وصولا إلى مدينة النبطية وصور والمخيمات والأحياء المحيطة بها في جنوب لبنان ، وانتقل إلى شمال نهر الزهراني ، وواصلت الطائرات الإسرائيلية قصف جنوب وشرق لبنان مستهدفة بُنى حزب الله العسكرية ، لكنها لم تنسى تدمير أهداف مدنية ، كان في مقدمتها مراكز الدفاع المدني ، واستهداف الطواقم الطبية ، وارتفعت حصيلة القتلى إلى أكثر من ( 3185 ) ، وسط تهديدات إسرائيلية بتدمير المباني في بيروت وقطع الكهرباء عن لبنان ؛ البلد العربي الذي دفعت به الحرب إلى أزمة اقتصادية خانقة ، وتوترات أمنية وسياسية متواصلة تهدد فرص الاستقرار ، في ظل مخاوف متزايدة من مستقبل غير واضح المعالم ، وقد أعلن ( للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان ) تدمير أو تضرر أكثر من ( 10 ) آلاف وحدة سكنية منذ بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله ، وتدمير ( 5386 ) وحدة بالكامل ، وتضررت ( 5246 ) وحدة أخرى ، مع استمرار القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان رغم الهدنة .
ترى صحيفة ( نيويورك تايمز ) أن الآمال الإسرائيلية العريضة تحولت إلى مأزق لأنها لم تكن مستعدة لاستخدام الحزب الواسع للطائرات المسيّرة الانتحارية الموجهة عبر الألياف الضوئية ، والتي شكّلت عنصر المفاجأة ، وادت لارتباك داخل الجيش الإسرائيلي الذي لم يتوقع أن تكون بهذه الدرجة من الخطورة ، إذ أصبح الجنود الإسرائيليون في جنوب لبنان أشبه بأهداف متحركة ، وأشارت الصحافة العبرية إلى أن حزب الله أطلق منذ بداية الحرب الحالية أكثر من ( 1200 ) مُسيرة ، تعمل ( 25% ) منها بالألياف البصرية ، باتجاه مستوطنات شمال فلسطين ، ومواقع عسكرية إسرائيلية منها عديسه والمالكية ، ما اعتبرته إسرائيل مبررا للتصعيد ، وشكلت هجمات المسيّرات تهديدًا متزايدًا لقوات الاحتلال شمال فلسطين وجنوب لبنان، ولوحظ عجز الجيش الإسرائيلي عن إيجاد حلول عملية لمواجهة خطرها المتنامي بفعالية حتى الآن ، ووصل هذا العجز إلى حد الإعلان عن محاولة حزب الله تصفية ( قائد المنطقة الشمالية في جيش الإسرائيلي / رافي ميلوه ) بهجوم بمسيرة مفخخة جنوب لبنان استهدفت مركبة الجيب التي كان يستقلها بعد وقت قصير من نزوله منها خلال تواجده جنوبي لبنان الشهر الماضي محدثة به اضراراً جسيمة ، ويجرى الحديث في الأوساط العسكرية عن عدد من الخطوات التي تم العمل عليها لمواجهة خطر المسيرات ، منها :
. لجأ جنود في شمال فلسطين إلى حلول ميدانية ، منها الطلب من صيادي الأسماك في بحيرة طبريا للحصول على شباك صيد لاستخدامها كوسيلة حماية مرتجلة ضد الطائرات مسيّرة للحزب ، في ظل عجز الجيش عن إيجاد حلول فعالة لمواجهتها .
. عمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على تطوير حلول تقنية لمواجهة تهديد ( المسيّرات ) ، خاصة تلك التي تعمل بتقنية الألياف البصرية التي تجعلها غير قابلة للتشويش الإلكتروني ، وتسير على ارتفاعات منخفضة ، ونظرا لصغر حجمها يصعب رصدها واعتراضها .
. البحث عن حلول استخبارية وهجومية ، بينها استهداف مواقع الإنتاج والمخازن .
. تعزيز الانضباط العملياتي للجنود للحد من الخسائر الناتجة عن هجماتها .
. وصول أسلحة وذخائر جديدة خلال الأسابيع المقبلة بهدف حماية القوات الإسرائيلية .
من جهة أخرى ، فعّل حزب الله نشاطه الإعلامي في ظل تسريبات للحزب حول تلقي ( أمينه العام نعيم قاسم ) رسالة من ( وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ) ، أكدت استمرار دعم طهران للحزب ورفضها التخلي عنه ، وشددت الرسالة على ربط أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن بتسوية أوسع في لبنان ، مع التأكيد على ضرورة شمول لبنان بأي اتفاق دائم لوقف الحرب ، وهو ما رفع مستوى رهان ( نعيم قاسم ) على تفاهم قيد البحث بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب ، وإدراج لبنان ضمن اتفاق شامل لوقف الأعمال العدائية ، وادلى ( الأمين العام للحزب ) بسلسلة من التصريحات ، أكد فيها على
ما يلي :
. الحزب لن يخضع ولن يستسلم ، وسيستمر بالدفاع عن لبنان مهما بلغت الخسائر .
. اعتبر سحب سلاح الحزب نزعا لقدرة لبنان الدفاعية تمهيدا لإبادة ولا يمكن القبول به .
. رفض تدخل " الخارج " بالسلاح والمقاومة وتنظيم شؤون الدولة اللبنانية الداخلية باعتبارها مسألة لبنانية داخلية ،وليست جزءًا من بنود التفاوض .
. مهاجمة التوسع الإسرائيلي المدعوم أمريكياً ، والتأكيد على صمود المقاومة .
. ضرورة انسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة ، وتحرير الأسرى .
. الإشادة بدور إيران بتحمل أعباءً كثيرة نتيجة دعمها للمقاومة ولحقوق شعوب المنطقة .
. تمسك المقاومة بخياراتها وثوابتها ، ورفضها لأي إملاءات أميركية أو إسرائيلية ، مشدداً على أن الثقة بالنصر ما تزال قائمة رغم تصاعد الضغوط والتحديات بالمنطقة ، والتأكيد على أن الاحتلال يعيش أزمة عسكرية وسياسية متفاقمة ، في ظل استمرار تضحيات المقاومة وصمودها للدفاع عن سيادة لبنان وكرامة شعبه .
يبدو أن " الحرب بالوكالة " في لبنان بين الدول الإقليمية والكُبرى لن تثمر عن نتائج سياسية مهمة إلا بارتفاع منسوب الخسائر البشرية والمادية إلى الدرجة التي تفوق معها قُدرة الطرفين على الاحتمال خصوصا لدى الجانب الإسرائيلي ، وفي نهاية المطاف ، يواصل المدنيون أو الناخبون بين الجانبين حصد ثمن إيصالهم اليمين المتطرف إلى السلطة ، ويجدر الإشارة إلى أن التوصل إلى هدنة مستقبلا بين الطرفين لن يعني إلا المزيد من الاستعداد والتحشيد لحرب جديدة في حلقة مفرغة لا تنتهي من العنف والدمار .




