شريط الأخبار
المدرج الروماني يواصل استقبال المشجعين خلال مباراة النشامى والجزائر الطلاب والعطلة الصيفية..... وفد من بورصة لندن يزور بورصة عمّان ويُشيد بمتانة الاقتصاد الأردني أكسيوس: مبعوث ترامب يتوجه إلى سويسرا لإجراء محادثات نووية مع إيران إعلام إيراني: عراقجي سيلتقي مع وزير الداخلية الباكستاني في طهران اعتماد التصاميم النهائية وانطلاق الأعمال الهندسية لمشروع مركز عمرة الدولي للمعارض والمؤتمرات الصحة الإسرائيلية تسجل أول حالة اشتباه إصابة بفيروس إيبولا المنتخب الوطني يغادر الأحد إلى سان فرانسيسكو للقاء نظيره الجزائري ترامب: أتأسف لإصابة مجتبى خامنئي ليلة مونديالية .. المغرب تتجاوز اسكتلندا وفوز كاسح لللبرازيل .. وتركيا خارج البطولة بحضور بطريرك القدس ووزير السياحة .. مزار سيدة الجبل يحتضن يوم الحج للكنائس الكاثوليكية الأردن يدين استيلاء الاحتلال الإسرائيلي على ارض لبطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان عروض وتخفيضات في أسواق المؤسسة الاستهلاكية المدنية صناعة الأردن: 21 مليار دولار حجم الإنتاج القائم بالصناعات التحويلية المحلية معدلات التضخم بالأردن أقل من مثيلاتها العالمية خلال 5 سنوات من التعليق الوصفي إلى لغة الإشارة .. إتاحة المحتوى الرياضي حق لذوي الإعاقة 4 سنوات من رؤية التحديث ... الأردن على مسار النمو الاقتصادي طويل الأمد 5 شهداء وإصابة في غارات إسرائيلية متواصلة على جنوب لبنان المؤشر العام يصعد والتداولات تتراجع في بورصة عمّان خلال الأسبوع الماضي أجواء صيفية معتدلة اليوم وحارة نسبيًا غدًا

معركة الوعي الزائف : تهافت الخطاب الإقصائي بين منبر المسجد ومقعد المدرسة

معركة الوعي الزائف : تهافت الخطاب الإقصائي بين منبر المسجد ومقعد المدرسة
الناشطة الاجتماعية نانسي السيوري
إن المحاولات المستمرة والممنهجة لتأطير العلاقة بين بناء المساجد وتشييد المدارس كمعادلة صفرية طاردة، لا تعكس نقدًا تنمويًا بريئًا أو رغبة صادقة في الإصلاح، بل تمثل ذروة التوظيف الأيديولوجي السطحي الذي يتبناه شق متطرف من الخطاب العَلماني لضرب البنية الثقافية والدينية للمجتمعات الإسلامية. هذا المنطق القاصر، الذي يتجدد طرحه بأساليب التوائية شتى، يعتمد بالدرجة الأولى على صناعة اصطدام وهمي وصراع مفتعل بين العلم والإيمان، ويحاول جاهدًا تصوير دور العبادة وكأنها عائق مادي وجدار سميك يقف في طريق النهضة التعليمية والمعرفية للأمة. الحقيقة الناصعة التي يتغافلها هذا الطرح، أو يتعمد القفز عليها، هي أن موارد الأمة ومساحات الإنفاق فيها ليست شحيحة ولا ضيقة لدرجة التخيير الحتمي القاسي بين بناء محراب للصلاة أو صف دراسي؛ بل إن التدمير الحقيقي لوعي الشعوب يكمن في هذا الاختزال الفج والتبسيط المخل الذي يريد تحويل قضية التنمية الشاملة بأبعادها المعقدة إلى مجرد مناكفة سياسية واستهداف مباشر وصريح لثوابت الهوية.
ويكفي لتفكيك هذا الخطاب الاستعلائي وتبيان تهافته السافر وزيف ادعاءاته، مراقبة السلوك الانتقائي الفاضح لبعض مروجيه من العَلمانيين الذين يرتدون ثياب الغيرة على مستقبل الأجيال؛ فهؤلاء الذين تتباكى أقلامهم في الصحف والمواقع، وتبح حناجرهم صراخًا وعويلًا في المنصات الافتراضية على تكلفة بناء مسجد أو منارة، هم أنفسهم الذين يصابون بالخرس التام والصمت المطبق أمام طوفان المليارات المهدورة والمبددة سنوياً على مسارح الترفيه، والمهرجانات الفنية الهابطة، والمنتجعات الاستهلاكية الباذخة، والمشاريع الهامشية التي لا تقدم للأمة وعيًا ولا علمًا ولا نهضة اقتصاديّة. إن هذا التغاضي المتعمد عن قنوات الإنفاق العبثي في المجتمع، والتركيز الحصري والممنهج على المؤسسة الدينية ودور العبادة دون سواها من مظاهر الهدر المالي، يرفع القناع تمامًا عن المقاصد الحقيقية الدفينة؛ فالقضية لدى هذه الفئة لم تكن يوماً حرصاً على مصلحة الطلاب أو جودة المناهج أو بناء المدارس، بل هي رغبة مستترة لمحاصرة الدين في الفضاء العام، وعزل قيم الوحي في زاوية ضيقة من الحياة، ومحاولة تجفيف منابع الالتزام الروحي تحت لافتات تنموية براقة لكنها محشوة بالعداء الأيديولوجي المسبق.
لقد تناسى هؤلاء، أو تعاموا عمداً، عن حقيقة تاريخية وواقعية كبرى، وهي أن المسجد في الحضارة الإسلامية لم يكن يوماً مجرد جدران مصمتة أقيمت لعزل الإنسان عن حركة الحياة اليومية أو سجن أشواقه الروحية، بل كان هو الرحم الحضاري الحقيقي الذي ولدت منه حركة العلم والتعليم والبحث التجريبي برمتها. إن كبريات الجامعات العالمية التي قادت قطار المعرفة الإنسانية لقرون طويلة، وأنارت عقول البشرية حين كانت أوروبا تغرق في ظلمات الجهل، كجامعة القرويين في المغرب، والجامع الأزهر في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، لم تبدأ كمؤسسات منفصلة، بل بدأت كلها كمساجد وحلقات علم تفجرت منها ينابيع علوم الفلك والطب والرياضيات والهندسة بجانب علوم الشريعة واللغة، ولم يعرف التاريخ الإسلامي طوال عهوده هذا الفصل النكد والمفتعل بين عالم الدين وعالم الطبيعة. بل إن المسجد في جوهره هو الحاضن الأساسي والمحرك الوجداني الأول الذي يربي الضمائر الإنسانية، ويوجه بوصلة الأغنياء والموسرين نحو بذل أموالهم لتأسيس المدارس والمستشفيات والمكتبات العامة عبر فلسفة الأوقاف الإسلامية؛ فالمنابر هي التي صدحت ولا تزال تصدح بأن طلب العلم فريضة محكمة توازي أعظم العبادات، مما يجعل المسجد شريكًا وجوديًا وأبًا شرعيًا للمدرسة، يلدها بفكره، ويحميها بقيمه، ويحث المجتمع بكافة أطيافه على رعاية طلبتها ودعم مسيرتها، لا منافسًا يزاحمها على الأرض أو ينازعها الموارد.
إن محاولة بناء مجتمع مادي مبتور الروح، يقدس الآلة ويغفل عن بناء الضمير الإنساني، هي الوصفة المثالية والكاملة لإنتاج كوارث بشرية ومجتمعات مشوهة؛ فالمدرسة والجامعة إن جُرِّدتا من الحصانة الأخلاقية والوازع الديني والروحي قد تنتجان عقولًا ذكية في تحصيلها، لكن بضمائر ميتة ونفوس جشعة، مما يفتح الباب على مصراعيه لانتشار الفساد الإداري، والرشوة، والانتهازية المالية التي تدمر الأوطان من داخلها. وفي المقابل، يأتي المسجد ليمثل صمام الأمان الاجتماعي المتين، ومصنع القيم الإنسانية، ومنبع التكافل والتراحم بين الطبقات، والضابط السلوكي الذاتي الذي يعجز القانون الوضعي الصارم وحده عن فرضه في غياب الرقابة الإلهية والوازع الروحي الداخلي. إن النهضة الحقيقية للأمم لا تتحقق أبدًا بالقفز على ثوابتها، ولا بمحاربة مقدساتها، ولا بافتعال معارك جانبية تخدم أجندات غريبة عن روح الأمة، بل تكمن في التلاحم والتكامل العضوي الشامل بين كافة مؤسسات المجتمع: مسجداً يزكي النفوس، ويرسخ الأخلاق، ويدفع نحو البناء والعمل وإتقان السعي، وإلى جانبه مدرسة حديثة تبني العقل، وتواكب العصر، وتسلح الأجيال بالمعرفة، ليتلاحم الاثنان معًا في تشييد إنسان سوي، قوي في علمه، راسخ في إيمانه، وقادر على قيادة قاطرة المستقبل.