المهندس ثائر عايش مقدادي
على الأرض الأمريكية، حيث تلتقي شعوب الأرض في أضخم محفل كروي عالمي، لم يكن الحضور الأردني مجرد بطاقات تشجيع تُرفع في المدرجات، بل تحول إلى تظاهرة ثقافية وإنسانية فريدة، تقودها سواعد شبابية آمنت بأن الوطن يُحمل في القلوب أينما حلوا وارتحلوا. في ملاعب "سان فرانسيسكو" وأروقة "دالاس"، رسم النشمي الأردني لوحة استثنائية تجاوزت حدود كرة القدم، ليتأكد للعالم أجمع أن "المنتخب الأردني أينما حل يبقى الرقم الصعب"، ليس فقط بأدائه الكروي، بل بجماهيره التي تحمل هوية وطن وعراقة أمة.
بدأت الحكاية من فكرة صاغتها مجموعة من الشباب الأردني المغترب والمقيم، ممن رفضوا أن يمر المونديال دون ترك بصمة أردنية راسخة. تداعى هؤلاء الشباب، مدفوعين بنخوة "الفزعة" المتجذرة في وجدانهم، ليتنظموا في رابطة وطنية عفوية، هدفها ليس مؤازرة "النشامى" في الملعب فحسب، بل تحويل محيط الاستادات والساحات الأمريكية إلى "بيت أردني" مفتوح لجميع شعوب العالم، وتسويق الأردن سياحياً وثقافياً بأبهى صورة.
في شوارع المدن الأمريكية ومدرجات الملاعب، كان المشهد آسراً للألباب؛ أمواج من الشماغات الحمراء بأهدابها البيضاء العتيقة تلف الأكتاف، تروي للغرباء قصة كبرياء ولدت في الصحراء الأردنية واستقرت في وجدان الهوية الوطنية. الشماغ الأردني لم يكن مجرد زينة، بل كان رمزاً للهيبة والعروبة، يجاوره العلم الأردني بنجمته السباعية الشامخة التي حلقت عالياً في سماء أمريكا، ليعلن للجميع أن هنا أحراراً يحملون لواء العز.
ترافق هذا المشهد مع عفوية أردنية لافتة، حيث التفّ مشجعو المنتخبات العالمية من أمريكا اللاتينية وأوروبا والمغرب العربي حول هؤلاء الشباب، مبهورين بجمالية الثوب والشماغ، ومشاركين في حلقات الدبكة الأردنية التي اشتعلت على أنغام موسيقات القوات المسلحة والأغاني الوطنية، ليتحول الشماغ الأردني إلى "أيقونة المونديال" التي يتسابق الجميع لالتقاط الصور معها.
ولأن الكرم عند الأردنيين طبعٌ لا تصنّع فيه، فقد حمل الشباب معهم سر الضيافة البدوية: "القهوة العربية الأصيلة". أقام الشباب خياماً رمزية ونقاط تجمع في دالاس وسان فرانسيسكو، حيث تفوح رائحة الهيل لتجذب آلاف المشجعين من مختلف الجنسيات. بصوت الفنجان الممتزج بعبارات الترحيب والتهليل، قُدمت القهوة العربية الساخنة لكل عابر سبيل، ليتعلم العالم معنى "الميثاق" الأردني في استقبال الضيف، ويدركوا أن البيوت الأردنية، حتى وإن كانت مجرد خيام مؤقتة في الغر
بة، تظل مشرعة الأبواب.
وفي هذا المقام من الجود والفخر، ردد الشباب بيت الشعر النبطي الذي يلخص شموخ النشمي وكرمه:
أهلاً هَلا بِالضِّيفْ يُومْ إنَّه لِفَا
فِي بِيوتِ عِزٍّ مَا تِغَلِّقْ بْوَابْهَا
نِقْدَعْ لَه الدَّلِّةْ عَلَى رُوسِ المَلَا
ونِقْصِدْ بِوَجْه النَّشَامَى رْقَابْهَا
لم تقف جهود الشباب والجهات المساندة عند حدود العاطفة، بل تُرجمت إلى خطة ترويجية سياحية محترفة ومدروسة استثمرت الزخم الرياضي. وتزامناً مع الفعاليات الرسمية لوزارة السياحة والآثار الأردنية، تحول حدث "بيت الأردن" في مدينة دالاس إلى نقطة جذب استراتيجية.
ركز الشباب بالتعاون مع الحملات الرسمية على إبراز التنوع السياحي الفريد للأردن؛ من خلال استعراض عروض حية للخط العربي، وتوزيع منشورات تفاعلية ومواد بصرية تسلط الضوء على:
السياحة الدينية والروحية:إبراز موقع "المغطس" الأثري ومسار السياحة الدينية المسيحية والإسلامية.
عجائب الدنيا السبع:الترويج لمدينة البتراء الوردية وصحراء وادي رم الساحرة كوجهات لا مثيل لها عالمياً.
سياحة المغامرات والاستشفاء:استعراض سحر البحر الميت وأخاديد الأردن الطبيعية.
إن ما سطره الشباب الأردني في أمريكا خلال كأس العالم 2026 أثبت للعالم أن الرياضة هي القوة الناعمة الأقوى لمد الجسور بين الثقافات. لم يكن النشامى مجرد عابري سبيل في المونديال، بل نقلوا نبض الشارع الأردني، ودفء قراه، وبسالة صحرائه، وطهر مقدساته إلى قلب القارة الأمريكية.
لقد هتفت المدرجات باسم الأردن، وتوشح الأجانب بالشماغ الأحمر، وتذوقوا مرار القهوة العربية وحلاوة الكرم، لتبقى هذه المشاركة محفورة في الذاكرة كشاهد حي على أن الأردن، برغم صغر مساحته وشح موارده، يمتلك إنساناً عظيماً ورجالاً أوفياء، يجعلونه دائماً وأبداً.. هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه.
في ختام هذا المشهد الوطني المهيب، تنحني الكلمات إجلالاً لوطنٍ ما هان يوماً ولا استكان، وتبقى القلوب تلهج بالدعاء الصادق الخالص إلى الله العلي القدير:
اللهم احفظ الأردن العظيم أرضاً وسماءً، شبلاً وشيخاً، واجعله دائماً واحة للأمن والأمان، ومنارة للعز والكرامة.
اللهم وفّق قيادته الهاشمية الحكيمة وسدّد على طريق الخير خطاها، واجعلها دخرًا وسندًا لهذا الوطن وشعبه الأبي.
اللهم احمِ شعب الأردن النبيل المرابط القابض على جمر المبادئ، وأدم عليه أُلفتَه ووحدته وفزعته التي تبيض الوجوه في كل محفل.
حمى الله الأردن، ملكاً وشعباً وأرضاً، ليبقى كما كان عهده دائماً... الراية الشامخة، والوطن العصي، والرقم الصعب الذي يزداد بريقاً كلما اشتدت التحديات.




