القلعة نيوز : كتب ابراهيم قاسم الحجايا
في إطار السعي المتواصل لمناقشة القضايا الاجتماعية الملحة التي تمس السلم المجتمعي الأردني، وبحضور معالي مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر وكوكبة من المعنيين والوجهاء من مختلف مناطق المملكة، لا سيما القادمين من محافظات الجنوب، تناول المستشار في الديوان الملكي الهاشمي ( مستشاريه العشائر ) الشيخ محمود جراد النعيمات في حديث له تفاصيل دقيقة ومعقدة حول ظاهرة "الجلوة العشائرية" وآثارها الممتدة على المجتمع. وبدأ النعيمات حديثه بتوجيه الشكر والتقدير لكافة الجهود المبذولة من قبل مستشارية شؤون العشائر والأجهزة المعنية، معرباً عن تقديره العالي للجهود الوطنية المبذولة لضبط هذه الظاهرة وتقنينها بما يخدم المصلحة العامة.
واعتبر النعيمات أن المجتمع الأردني يمر حالياً بأزمات مركبة ناتجة عن التداخل بين التحديات الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث تتقاطع آثار الجلوة العشائرية مع معضلات الفقر والبطالة، وتفشي آفة المخدرات التي أسهمت بشكل ملحوظ في زيادة معدلات الجريمة داخل المجتمع. وأوضح أن غياب الرادع الحقيقي والفعال يعد سبباً رئيسياً لارتفاع هذه المعدلات، مؤكداً في الوقت ذاته التأييد التام لجهود ضبط الجلوة العشائرية والعمل على تقليص نطاقها وتأثيراتها إلى أقصى حد ممكن، لكنه شدد على ضرورة توفير البديل القانوني الرادع الذي يضمن تحقيق العدالة وطمأنينة النفوس.
وفي هذا السياق، دعا النعيمات بشكل مباشر إلى تفعيل وتحديث قانون الإعدام وتطبيقه بحق مرتكبي الجرائم الكبرى؛ مشيراً إلى أن إنفاذ حكم الإعدام يمنح ذوي الضحايا شعوراً بالراحة النفسية والعدالة الناجزة، مما يلغي الحاجة التلقائية لأي إجراءات عشائرية لاحقة ومنها الجلوة. واستشهد بالوثائق والاتفاقيات العشائرية السابقة، لاسيما الوثيقة الأولى التي صيغت في عهد الملك الحسين بن طلال، والمدعومة بجهود الملك عبد الله الثاني وولي عهده، والتي تنص صراحة على أن تنفيذ حكم الإعدام يسقط كافة الإجراءات والتبعات العشائرية بما فيها الجلوة. كما تطرق إلى الوثيقة الثانية التي اعتمدت "دفتر العائلة" كمعيار لحصر الجلوة، مستدركاً بالقول إن التطبيق الفعلي على أرض الواقع ما زال يشهد بعض التجاوزات التي تحول دون الالتزام الكامل بهذا المعيار، مما يتسبب في تشتيت أسر بأكملها لا ذنب لها في الجريمة المقترفة.
وحمّل النعيمات المسؤولية الأولى في تفعيل هذه الضوابط لوزارة الداخلية والحكام الإداريين، إلى جانب الوجهاء وشيوخ العشائر ومستشارية العشائر والأمن العام. وانتقد دخول بعض الأشخاص غير المؤهلين على خط الوساطات وأخذ "العطوات" العشائرية دون دراية كافية بالعادات والتقاليد الأصيلة، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعقيد القضايا بدلاً من حلها، داعياً كبار الوجهاء وأصحاب الرأي السديد إلى تصدر المشهد وعدم ترك الساحة لغير المختصين.
وفي ختام حديثه، اقترح النعيمات آلية عملية ومنظمة تتمثل في إنشاء "قاعدة بيانات إلكترونية موحدة" تشترك فيها مستشارية شؤون العشائر، ووزارة الداخلية، والأمن العام، ودائرة الأحوال المدنية. وتكمن أهمية هذه القاعدة في تحديد الأشخاص المشمولين بالجلوة إلكترونياً وبشكل فوري بناءً على دفتر العائلة فور وقوع أي جريمة، مما يمنع الاجتهادات العشوائية ويحد من التبعات الاجتماعية القاسية. كما طالب بضرورة تضافر جهود مؤسسات الدولة كافة، بما في ذلك وزارة الأوقاف عبر خطب الجمعة، ووزارة التربية والتعليم والجامعات، بالإضافة إلى وسائل الإعلام الرسمية، لزيادة الوعي المجتمعي حول المعاناة الكبيرة التي تسببها الجلوة العشائرية، مؤكداً أن الأردن يمتلك دولة مدنية متقدمة تستدعي تطوير وتحديث العادات والتقاليد بما يتواكب مع لغة القانون والعدالة الحديثة.




