د. صالح العرود / متصرف سابق
وأنا أتابع اللقاءات التي يقدمها شِيُخنا للمستشارية العشائري، وجدت أن الحوار الدائر حول الجلوة العشائرية يستحق قراءة أوسع تتجاوز حدود التأييد أو الرفض. فالقضية ليست في أصل الجلوة، وإنما في كيفية تطويرها لتنسجم مع تطور الدولة الأردنية، وتحافظ في الوقت ذاته على رسالتها الأساسية في حماية السلم الأهلي. ومن هنا جاءت هذه القراءة، إيمانًا بأن نجاح أي إصلاح يتطلب انسجامًا حقيقيًا بين الحاكم الإداري والمستشارية العشائرية، باعتبارهما شريكين في تحقيق الأمن المجتمعي، كلٌ من موقعه واختصاصه.
لقد نشأت الجلوة العشائرية في مرحلة تاريخية كانت العشيرة تمثل المرجعية الاجتماعية والأمنية، عندما كانت إمكانات الدولة محدودة. وكانت وظيفتها احتواء الغضب ومنع الثأر وتهيئة الطريق أمام الصلح، ولذلك اكتسبت مشروعيتها من الحاجة إليها في تلك الظروف.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. فالدولة الأردنية أصبحت تمتلك مؤسسات أمنية وقضائية وإدارية راسخة، وفي مقدمتها الحاكم الإداري الذي يمثل الدولة في حفظ الأمن والاستقرار وتطبيق القانون. وفي المقابل، برز دور المستشارية العشائرية بوصفها الإطار الذي يعنى بتطوير الأعراف العشائرية، وتعزيز ثقافة الإصلاح، والمحافظة على القيم الإيجابية للموروث العشائري بما ينسجم مع سيادة القانون.
ومن هنا، فإن نجاح معالجة ملف الجلوة لا يتحقق إلا من خلال تكامل الأدوار بين الحاكم الإداري والمستشارية العشائرية. فالحاكم الإداري يتعامل مع الجانب القانوني والأمني، بينما تتولى المستشارية تطوير الفكر العشائري، ومراجعة الأعراف، وتقديم الرأي والمشورة بما يحقق التوازن بين متطلبات الدولة وخصوصية المجتمع. فكلما ازداد التنسيق بين المؤسستين، أصبحت القرارات أكثر عدالة، والأعراف أكثر انسجامًا مع الواقع.
وفي المقابل، فإن استمرار بعض تطبيقات الجلوة بصورتها التقليدية يكشف عن وجود فراغ اجتماعي في بعض البيئات المحلية. فعندما تضعف المؤسسات الوسيطة، وتتراجع فاعلية الأحزاب والجمعيات والقيادات المجتمعية، يعود المجتمع إلى أدواته التقليدية لإدارة الأزمات. وهذا الفراغ لا ينبغي أن يُحمَّل للعشيرة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة تستدعي بناء مؤسسات مجتمعية أكثر حضورًا، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع.
كما أن هذا الواقع يفرض مراجعة هادئة لدور بعض القيادات الاجتماعية. فالشيخة ليست لقبًا اجتماعيًا، وإنما مسؤولية تقوم على الحكمة، والإصلاح، والقبول المجتمعي. ولا شك أن الأردن يزخر بشيوخ أفاضل يمثلون نماذج وطنية مشرفة، لكن بعض الحالات أفرزت قيادات لم تعد تمتلك الحاضنة الاجتماعية أو أدوات القيادة والإصلاح، الأمر الذي يفرض إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والخبرة والثقة المجتمعية.
وهنا يتعاظم دور المستشارية العشائرية، ليس فقط في معالجة القضايا اليومية، وإنما في مراجعة كثير من المفاهيم والمعايير التي تحكم العمل العشائري، وإعادة النظر في بعض الامتيازات التي تُمنح لمجرد التسمية، وربطها بمعايير واضحة تقوم على الكفاءة، والسجل الإصلاحي، والقبول المجتمعي، لأن قوة القيادة العشائرية تنبع من ثقة الناس بها، لا من اللقب وحده.
وفي الوقت ذاته، فإن الحاكم الإداري، بحكم مسؤوليته، يبقى شريكًا أساسيًا في هذا التطوير، من خلال ترسيخ مفهوم أن الأعراف العشائرية تُسهم في تعزيز السلم الأهلي، لكنها تعمل في إطار الدولة وتحت مظلة القانون، لا بمعزل عنه. فكلما تعزز هذا الفهم، تقلصت الحاجة إلى الإجراءات الاستثنائية، وأصبحت الجلوة أكثر تحديدًا وانسجامًا مع العدالة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الحاكم الإداري والمستشارية العشائرية، تقوم على وضوح الاختصاصات، وتكامل الأدوار، وتبادل الخبرات، بهدف تطوير الأعراف العشائرية بما يحافظ على قيمها النبيلة، ويواكب تطور الدولة الأردنية.
فالإصلاح الحقيقي لا يكون بإلغاء الموروث، ولا بالتمسك الجامد به، وإنما بإعادة صياغته بما يخدم الوطن والمواطن. وعندما يلتقي القانون بالحكمة، وتتكامل الحاكمية الإدارية مع المستشارية العشائرية، تتحول الجلوة من قضية خلافية إلى نموذج وطني يعكس قدرة الدولة الأردنية على الجمع بين أصالة المجتمع وحداثة مؤسساته.




