*نحو إصلاح يحفظ الهوية ويعزز دولة القانون
الدكتور عطا الله العون
تنادت مستشارية العشائر، وهي تبحث عن حلول وأفكار خارج الصندوق لمعالجة قضية اجتماعية مهمة، وهذا واجب وطني يُشكرون عليه، خصوصًا أنه يأتي بعد محاولات ونقاشات سابقة من وزارة الداخلية ومديرياتها المختلفة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تبدأ مرحلة جديدة من إعادة جمع الحلول، أو حتى أنصاف الحلول، إن شئت تسميتها بالعصف الذهني المجتمعي، حول واقع المجتمع القبلي الذي لا يزال متمسكًا بإرثه وأعرافه الاجتماعية والعشائرية.
وقد تباينت ردود الفعل في المجتمع الأردني حول موضوع إعادة ضبط الأعراف العشائرية، فهناك من يرى ضرورة حصرها في قضايا الدم وتقليص بعض صور العقاب العشائري الجماعي، وتعزيز مفهوم الدولة المدنية التي يحتكم الجميع فيها إلى قانون واحد، خصوصًا أن بعض الممارسات العشائرية لم تعد تواكب طبيعة الحياة الحالية بعد انتهاء مرحلة الترحال والاستقرار وتغير أنماط العمل والمعيشة ومصالح الناس.
وفي المقابل، هناك من يطالب بتهذيب وتطوير الأعراف العشائرية بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي الجديد، لا إلغاءها، لما لها من دور تاريخي في الإصلاح وتقريب وجهات النظر وحفظ النسيج المجتمعي.
كما تبرز أصوات تطالب بالتركيز على مواجهة المخدرات والخارجين على القانون وكل ما يهدد السلم المجتمعي، بينما يرى آخرون أن الفقر والبطالة من جذور المشكلات التي تغذي النزاعات وتضعف الاستقرار الاجتماعي.
والحقيقة أن الاعتراف بوجود المشكلة هو الخطوة الأولى نحو الحل، لكنه وحده لا يكفي، بل لا بد أن يرافقه:
أولًا: بيان واضح يوضح الأسباب التي أدت إلى تفاقم هذه الظواهر وتراكم آثارها.
ثانيًا: إعلان ما تم بحثه ومناقشته من قبل الجهات المعنية وخلية الأزمة التي تبنت البحث عن الحلول.
ثالثًا: طرح رؤية واضحة وتوصيات عملية قابلة للتطبيق.
رابعًا: فتح باب الحوار أمام الأكاديميين وأصحاب الاختصاص في القانون وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية، للاستفادة من الدراسات والأبحاث المتخصصة.
خامسًا: عقد مؤتمر علمي سنوي برعاية مستشارية العشائر والديوان الملكي العامر، يناقش قضايا المجتمع وتحولاته، ليصبح هذا المسار نهجًا مستمرًا نحو الإصلاح والتطوير.
فالمجتمع الذي يتقدم مع الزمن لا يفقد هويته، بل يحافظ على أصالته ويطور أدواته. فقوة المجتمع ليست في بقائه على حال واحد، بل في قدرته على التطور دون أن يفقد جذوره.
فالعشيرة كانت وستبقى عنوانًا للمروءة والنخوة والإصلاح والدولة هي المظلة الجامعة التي يستظل بها الجميع تحت راية العدالة والقانون.
نسأل الله أن يحفظ الأردن قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق كل من يسعى إلى وحدة المجتمع وصون كرامة أبنائه وخدمة الوطن.




