التحكيم بين مطرقة التحكيم المؤسسي وسندان التحكيم الحر
القلعة نيوز -
شهد التحكيم تطورًا كبيرًا بوصفه وسيلة بديلة لتسوية المنازعات، خاصة في المجالات التجارية والاستثمارية، لما يوفره من سرعة وسرية ومرونة. غير أن هذا التطور أفرز نموذجين رئيسيين: التحكيم المؤسسي والتحكيم الحر، مما يثير سؤالًا حول قدرة كل منهما على تحقيق العدالة مع الحفاظ على الحياد والاستقلال.
فالتحكيم المؤسسي يُدار تحت إشراف مؤسسة متخصصة وفق قواعد مسبقة، بينما يقوم التحكيم الحر على اتفاق الأطراف مباشرة دون وسيط مؤسسي. ويتميز الأول بتنظيم أوضح وإجراءات أكثر ضبطًا، لكنه لا يخلو من تحفظات قانونية وعملية.
أبرز هذه الإشكاليات احتمال تأثير المؤسسة في العملية التحكيمية، خاصة عند تكرار ترشيح المحكمين ضمن دائرة محدودة، بما قد يثير شبهة تضارب المصالح أو المساس بمظهر الحياد. ويكفي أحيانًا وجود ظروف تثير شكوكًا مبررة بشأن الاستقلال، لا ثبوت الانحياز الفعلي.
كما يظل عنصر الكلفة من أهم الانتقادات، إذ لا تقتصر النفقات على أتعاب المحكمين، بل تشمل الرسوم الإدارية والخدمات المؤسسية، وقد تصبح عبئًا على بعض الأطراف.
في المقابل، يمنح التحكيم الحر الأطراف حرية أوسع في اختيار المحكمين وتحديد الإجراءات، لكنه قد يتحول إلى مصدر تعطيل إذا غابت الخبرة أو لم تُتفق القواعد مسبقًا.
ولا يعني تفضيل أحد النموذجين أن البيئة الاستثمارية تُقاس بكثرة مراكز التحكيم، بل عن منظومة قانونية متكاملة تضمن استقرار التشريعات، واحترام العقود، وسرعة تنفيذ الأحكام
وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في التحكيم المؤسسي أو الحر بحد ذاته، بل في بناء توازن يضمن استقلال المحكمين، وشفافية الإجراءات، والرقابة القضائية عند الحاجة، لأن العدالة تبقى المعيار الأعلى الذي لا يجوز التفريط بها.
المحامي الدكتور مهند فرحان الطعاني
كلية الحقوق/الجامعة الاردنية




