النائب السابق العميد الركن المتقاعد ذياب المساعيد
لا يكاد يخلو حديث حكومي من مصطلح التنمية الاقتصادية والهاجس الاقتصادي، حتى أصبح التكرار مملا ويقترن بحالة من ( عدم ثقة ) مبررة بسبب الفجوة ما بين التنظير المؤطر باستراتيجيات مدججة بالأرقام والمشاريع، وبين واقع لا ينفع معه (تجميل) نسب البطالة، والفقر، والتضخم، وغلاء المعيشة، وتدني الرواتب، واستحداث تنمية حقيقية شاملة مستدامة ملموسة.
والتنمية الاقتصادية الشاملة تبنى على الانسان، وعدالة التوزيع، واستهداف الأطراف - مع فهم الميزات المكانية والاجتماعية بنظرة شمولية للأطراف قبل المركز - وهنا اقصد البادية بالذات.
فاتساع الرقعة الجغرافية، وتباعد التجمعات السكانية نسبيًا، والبعد عن العاصمة ومراكز المحافظات والأسواق الكبيرة وما يتبعه من رفع كلف الإنتاج على المستثمر، جعل لها - أي للبادية - خصوصية ( برسم التحدي) كان يجب ان يعيها ويفهمها صاحب القرار، لكن للأسف لم تراع ولم تؤخذ بالحسبان، مما تسبب في فجوة تنموية شاسعة بين البادية وبقية مدن المملكة.
واذا ما وضعنا الخصوصية السابقة ضمن ميزة أخرى معيبة، صنعها الإهمال والتهميش وجهل المسؤول بالواقع الحقيقي للبادية، ألا وهي الفقر والبطالة، تتحول الحالة هنا من ملف اقتصادي بحت الى مشكلة ( اقتصاديه اجتماعية امنية ) متنامية لها تبعاتها الخطيرة على الوطن والمجتمع.
فالحكومة الحالية - والتي شارفت على انهاء عامها الثاني - لم نلمس لها أي جهد حقيقي لأحداث التنمية المطلوبة والضرورية واللازمة لتدارك هذه المشكل ( الاقتصادية الاجتماعية الأمنية ) والتي ليس أول اخطارها الجريمة، والمخدرات، وتهديد منظومة القيم، ولن يكون اخرها اجبار الجيل الجديد على ترك قراهم والاستقرار في المدينة حيث فرصة العمل.
على مدار العامين الماضيين، كل ما قام به دولة الرئيس تجاه البادية الشمالية زيارتين على عجل ( لمركز صحي، ومدرسة، وروضة رعاية طفل، ومركز شباب) زيارات تفقدية سريعة سطحية شكلية، زيارات تحاشت لقاء المواطن والاستماع لوجعه وهمه ومعرفة الواقع والتحديات، زيارات لم تسمن ولم تغني، وبلا أثر تنموي، اللهم الا انها أدرجت في سجل الزيارات المماثلة لتضفي نهج (الميدانية) على حكومة دولته في حين بقيت الحال (على حالها ) بلا جديد .
على مدار العامين الماضيين ، عقد مجلس الوزراء عددا من جلساته في كل محافظات المملكة، واستثنيت الباديه من هذا النهج، لماذا؟ أليست البادية وتنميتها وانصافها على رادار حكومته؟ أم أن حكومته اكتفت للوطن بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى الثلاث ( الناقل الوطني، وسكة الحديد ومدينة عمرة ) والتي هي ليست من نتائج هذه الحكومة وحسناتها، بل خطط لها من سنوات طوال، ام ان حكومته لا تريد ان تسمع منهم مرارة الواقع، لعجزها عن الحلول.
على الحكومة الاصغاء لأرقام صندوق المعونة الوطنية عن عدد جيوب الفقر في البادية، وكيف أصبحت المعونة الوطنية مصدر دخل لعدد كبير من عائلاتها، ولتصغي الحكومة للأرقام الحقيقية (غير المتلاعب بها ) عن اعداد الباحثين عن العمل في الرويشد، والصفاوي، ودير الكهف والجفر وغيرها ، ولتتقص الحكومة حقيقة برنامج التشغيل الوطني بفكرته الفاشلة، هل كان له أي اثر في البادية الشمالية؟ ام انه كان موجه لمناطق أشد حاجة؟ واسالوا يا دولة الرئيس عن اخر مشروع تنموي لخلق فرص العمل والتشغيل، متى أنشئ في البادية الشمالية ؟ والاجابة هنا تختصر الواقع وتكشف حجم التقصير .
موجز القول : ان تخطيط المكاتب، والبعد عن الواقع، والجهل بخصوصية البادية وميزاتها، وعدم جدية الحكومة بحجة ضعف التمويل وعدم وجود مستثمر، ما زالت تشكل عوائق حقيقية امام احداث تنمية فاعلة مؤثرة قادرة على مواجهة (مشكلة) متفاقمة متسارعة، فالحكومه بوتيرة ونمط عملها الحالي تجاه البادية، لا تسعى لحلول استباقية ( للاسباب والجذور ) بل اكتفت بالتعامل مع ( الاثار والنتائج) وبحلول امنية ليكون العبء على الاجهزة الامنية وحدها، فتنمية البادية ما عادت مطلب ترف يمكن التغاضي عنه، بل ضرورة وطنية ملحة.




