الدكتور صائب على خصاونة
في أدبيات الحوكمة وسياسات الجودة والمساءلة، لا يُنظر إلى "تضارب المصالح" باعتباره خللاً إجرائياً عابراً، بل يُصنَّف صراحة تحت مظلة الفساد والرشى. هذا التصنيف ليس مبالغة لغوية، بل نتيجة منطقية لطبيعة الضرر الذي يُحدثه؛ فحين يتخذ صاحب القرار موقفاً يخدم مصلحة شخصية أو مصلحة طرف له به علاقة، على حساب المصلحة العامة أو مصلحة المؤسسة، فإنه يرتكب فعلياً الجوهر ذاته الذي تقوم عليه جريمة الرشوة، حتى وإن لم يقبض ثمناً مباشراً مقابل قراره.
ومنذ عقود، أدركت المؤسسات العالمية المعتبرة أن الوقاية من الفساد لا تبدأ بالعقوبة، بل بالفهم، فخصّصت برامج تدريب مستمرة لمنتسبيها تشرح معنى الفساد وعلاقته الوثيقة بتضارب المصالح، وتُبيّن كيف ينعكس ذلك مباشرة على جودة المنتج أو الخدمة حين يُختار المورّد أو المقاول الأنسب لعلاقاته لا لكفاءته، وعلى شفافية الإجراءات حين تُتخذ القرارات بمعزل عن معايير واضحة يمكن تتبعها، وعلى ثقة المستثمر في نهاية المطاف، سواء كانت الجهة حكومية أو خاصة أو هيئة مستقلة، ذلك أن المستثمر لا يضع أمواله إلا حيث يثق أن القرارات تُبنى على معايير موضوعية لا على علاقات شخصية. وهذا الاستثمار في التدريب ليس ترفاً إدارياً، بل تحصين استباقي لسمعة المؤسسة ومصداقيتها أمام شركائها وأسواقها.
حين تنكشف حالة تضارب مصالح أو شبهة فساد، فإن أسوأ ما يمكن أن تفعله المؤسسة هو الاكتفاء بمعالجة الواقعة الظاهرة ثم إغلاق الملف. فكل حالة فساد مكتشفة هي غالباً عرَض لنمط أعمق، ولذلك تقتضي المقاربة السليمة الذهاب إلى الجذور لا الاكتفاء بالسطح، بدءاً من فتح تحقيق أوسع يمتد إلى العطاءات والقرارات السابقة بحثاً عن أنماط مشابهة لم تُكتشف في حينها، مروراً بمراجعة شاملة لإجراءات طرح العطاءات وتقييمها، والتساؤل عما إذا كانت شروط الطرح واضحة ومعلنة أم أن معايير التقييم صيغت لتناسب متقدماً بعينه، وصولاً إلى فحص تشكيل لجنة التقييم نفسها: من هم أعضاؤها، وما مدى استقلاليتهم عن الأطراف المتقدمة، وهل يوجد تدوير دوري لأعضاء اللجان يمنع تكوّن علاقات ثابتة مع موردين بعينهم.
ومن أهم الآليات الوقائية التي تكشف مدى نضج نظام الحوكمة في أي مؤسسة، مدى وجود نظام يضمن أن يُحفظ تقييم كل عضو في لجنة العطاءات بمعزل عن تقييمات زملائه، بحيث لا يطّلع أحدهم على تقييم الآخر إلا في جلسة المناقشة النهائية المشتركة. وهذا الفصل ليس إجراءً شكلياً، بل هو ما يمنع ظاهرة "التقييم بالتبعية"، حيث يميل عضو ضعيف الموقف إلى مسايرة رأي عضو أقوى نفوذاً بدل أن يُكوّن حكمه المستقل. وحين يُعرف مسبقاً أن كل عضو سيُقيّم بمعزل تام، فإن ذلك يفرض عليه التزاماً أساسياً بأن يُحضّر تبريراً واضحاً ومكتوباً لتقييمه، مرتبطاً بمعايير متفق عليها مسبقاً بين جميع أعضاء اللجنة قبل بدء عملية التقييم، ومعلنة في الوقت ذاته للمتقدمين أنفسهم، بحيث يعرف كل متقدم على أي أساس سيُقيّم عرضه. وهذان الشرطان معاً، الاتفاق المسبق والإعلان الشفاف، هما ما يحوّلان التقييم من انطباع شخصي قابل للتشكيك إلى عملية موضوعية قابلة للتدقيق والمراجعة والدفاع عنها لاحقاً أمام أي جهة رقابية.
وخلاصة القول إن معالجة الفساد وتضارب المصالح لا تُختصر في عقاب المخطئ، بل في إعادة بناء المنظومة التي سمحت للخطأ بأن يقع أصلاً. فالمؤسسات التي تنجو فعلياً من تكرار هذه الأزمات هي تلك التي تتعامل مع كل حادثة كفرصة لتشريح نظامها بالكامل، من صياغة معايير العطاء، إلى تشكيل لجان التقييم، إلى آليات حفظ استقلالية كل عضو فيها. فالثقة التي يمنحها المستثمر والمجتمع لأي مؤسسة، حكومية كانت أو خاصة، لا تُبنى على النوايا الحسنة، بل على إجراءات يمكن تتبعها والتحقق منها في كل خطوة.




