القلعة نيوز -
حين يخرج مسؤول سابق ليقول إن الأردن لم يكن معروفاً إلا بعد مشاركته في كأس العالم من المؤسف أن يخرج من يتولى مسؤولية عامة أو سبق له أن تقلدها ليختزل تاريخ وطن عريق في تسعين دقيقة من كرة القدم فإنه لا يختزل تاريخ دولة فحسب بل يتجاوز حقيقة راسخة يعرفها القاصي والداني فالأوطان لا تقاس بحدث رياضي مهما كان عظيماًَ ولا تُختصر مكانتها في تسعين دقيقة على أرض الملعب وكأن الأردن لم يكن حاضراً في ذاكرة العالم إلا حين لامست قدماه ملاعب كأس العالم.
لقد عرف العالم الأردن قبل أن تُقام بطولات كأس العالم الحديثة وعرفه بمواقفه المشرفة ودبلوماسيته الرصينة ودفاعه المستمر عن قضايا أمته وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وعاصمتها القدس وبما قدمه من جهود في ترسيخ الأمن والاستقرار حتى غدا اسمه مقروناً بالحكمة والاتزان والوفاء للمبادئ.
عرف العالم الأردن بقيادته الهاشمية التي حملت رسالة الدولة باعتدال وثبات ورسخت مكانتها في المحافل الدولية حتى أصبح الأردن شريكاً موثوقاً وصوتاً مسموعاً يحظى بالاحترام والتقدير ولم تكن مكانة الأردن وليدة حدث عابر بل ثمرة مسيرة طويلة من العمل والبناء والإنجاز.
وعرف العالم الأردن كذلك بجيشه العربي المصطفوي وأجهزته الأمنية وكوادره الطبية والتعليمية وجهوده الإنسانية والإغاثية التي امتدت إلى مختلف بقاع الأرض فكان حاضراً حيث غابت دول ومسانداً للمحتاجين دون ضجيج أو استعراض.
إن مثل هذا القول لا ينتقص من قيمة الإنجاز الرياضي بل ينتقص من تاريخ دولةٍ صنعت حضورها عبر عقود من الحكمة والثبات والاعتدال ومن تضحيات رجالها ومن القيادة الهاشمية التي جعلت الأردن رقماً صعباً في معادلات السياسة الإقليمية والدولية.
نعم ان المشاركة في كأس العالم إنجاز وطني نفتخر به جميعاً وقد منحت الأردن حضوراً إعلامياً أوسع وهذا أمر لا ينكره أحد لكن القول إن الأردن لم يكن معروفاً قبل ذلك يجانب الحقيقة ويغفل تاريخاً سياسياً وحضارياً وإنسانياً يمتد لعقود.
فالأردن اسمٌ حاضر في المحافل الدولية ودولة ذات مكانة سياسية ودبلوماسية مؤثرة وركيزة للاستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات وهو مهدٌ للحضارات يحتضن كنوزاً تاريخية وإنسانية يعرفها العالم من البتراء إلى وادي رم ومن جرش إلى المغطس وهي مواقع يقصدها ملايين الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم.
كما أن الأردن عُرف بمواقفه المشرفة وبإنسانيته في استقبال اللاجئين وبجيشه وأجهزته الأمنية التي أسهمت في ترسيخ الأمن والاستقرار وبكوادره الطبية والتعليمية والهندسية التي تركت بصماتها في أنحاء العالم.
أما الرياضة فهي نافذة تُبرز صورة مشرقة لكنها ليست شهادة ميلاد الأردن أمام العالم بل ثمرة من ثمار وطنٍ كان معروفاً ومحترماً قبلها بسنين طويلة فالرياضة ترفع اسم الوطن لكنها لا تصنع وجوده والبطولات تضيف إلى رصيد الدول ولا تؤسس تاريخها لكنها ليست من يصنع وجوده أو يكتب تاريخه فالمنتخب الوطني مثّل الأردن خير تمثيل وكان امتداداً لصورة وطنٍ معروفٍ أصلاً، لا سبباً في وجوده على خريطة العالم.
فالأوطان تُبنى بالإرادة وتصان بالتضحيات وترتقي بالقيادة الحكيمة وتُخلَّد بمواقفها لا بنتيجة مباراة مهما بلغت أهميتها الأردن ليس اسماً طارئاً على خارطة العالم بل وطن ضارب في التاريخ حاضر في السياسة والإنسانية والدبلوماسية والثقافة والرياضة معاً.
وسيظل كذلك لأن مكانة الأوطان تصنعها المبادئ والإنجازات المتراكمة لا حدث واحد مهما كان بريقه إن الاعتزاز بإنجاز المنتخب لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لما سبقه من تاريخ ولا يجوز أن نُصغّر وطننا لنُكبّر إنجازاً رياضياً فالأردن أكبر من أن يُعرَّف ببطولة وأعرق من أن يبدأ تاريخه مع صافرة مباراة.
لكن من واجبنا أيضاً أن نحفظ لتاريخ الأردن حقه وألا نسمح لأي خطاب أن يختزل مسيرة وطن بناه الهاشميون وحماه جيشه وصانه شعبه وارتفع اسمه في العالم بعقود طويلة قبل أن يدخل ميادين كأس العالم
سيبقى الأردن بقيادته وشعبه وتاريخه وحضارته وطناً راسخاً في ذاكرة الأمم معروفاً بمواقفه قبل إنجازاته الرياضية ومكانته قبل ظهوره على شاشات الملاعب أما كأس العالم فقد أضاف صفحة مشرقة إلى سجل الوطن ولم يكن الصفحة الأولى فيه.
بقلم معن عمر الذنيبات




