المهندس حسن عبد الكريم عواد الحراحشة
يقف الأردن اليوم كما وقف عبر تاريخه شامخًا على أرضٍ مباركةٍ صنع الآباء والأجداد مجدها وتكاتفت جهود أبنائها مع القيادة الهاشمية الحكيمة في بناء دولةٍ واجهت ظروفًا استثنائية وتحدياتٍ متلاحقة، وتمكنت بحكمة قيادتها ووعي شعبها من تجاوز الصعاب، حتى أصبح الأردن نموذجًا في الأمن والاستقرار والاعتدال، وصوتًا للحكمة في محيط إقليمي مضطرب.
لقد أثبت الأردنيون على الدوام أن قوة الوطن لا تكمن فقط في موارده وإمكاناته، بل في وحدته الوطنية، وفي إيمان أبنائه بأن مصلحة الأردن العليا تسمو فوق كل اختلاف، وأن الدولة ومؤسساتها ومنجزاتها هي مسؤولية مشتركة لا يجوز أن تخضع للحسابات الضيقة أو المصالح الآنية.
إن العمل السياسي في جوهره رسالة وطنية وأمانة أخلاقية، وليس طريقًا للحصول على المكاسب أو تحقيق المصالح الشخصية فالسياسة التي تنطلق من خدمة الوطن وبناء المستقبل تكون عامل قوة للدولة، أما حين تنحرف عن أهدافها وتتحول إلى صراع على المواقع والنفوذ، فإنها تفقد قيمتها، وتتراجع المصلحة العامة أمام حسابات لا تخدم مسيرة الوطن.
إن ما نشهده أحيانًا من تناحر سياسي لا يقوم على البرامج والرؤى والحلول، بل على المنافسة من أجل المكاسب، يثير الحاجة إلى مراجعة حقيقية لمفهوم العمل العام، فالوطن لا يحتاج إلى صراعات تزيد الانقسام، وإنما يحتاج إلى جهود تتوحد حول البناء والإصلاح وتحقيق تطلعات أبنائه.
لقد تعلمنا من نهج الهاشميين الإصلاحي أن المسؤولية العامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن بناء الدولة الحديثة يقوم على سيادة القانون، والعدالة، وتكافؤ الفرص وتمكين أصحاب الكفاءة. وأن الإصلاح الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بالممارسات التي تعزز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
ومن هنا فإن مظاهر الواسطة والمحسوبية والشللية وثقافة التنفيع أينما وجدت تشكل عائقًا أمام تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، لأنها قد تقدم من لا يستحق، وتؤخر أصحاب الكفاءة وتضعف روح المنافسة الشريفة. فالأوطان لا تنهض إلا عندما يكون معيار الاختيار هو القدرة والكفاءة والإنجاز لا القرب والمصلحة الخاصة.
كما أن بعض مظاهر الخطاب في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في أحيان كثيرة تعكس حالة من الاستقطاب، حيث يدافع البعض عن الأشخاص بدل المبادئ، وعن المواقف الخاصة بدل المصلحة العامة. إن حرية التعبير حق أصيل، لكنها لا تكتمل إلا بالمسؤولية، واحترام الحقيقة، والحرص على وحدة المجتمع وتماسكه.
لقد قدم الهاشميين للأردنيين رؤية إصلاحية واضحة من خلال خطاباتكم السامية وأوراقكم النقاشية، تقوم على تعزيز المشاركة، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وتطوير الحياة السياسية، وبناء مستقبل يقوم على البرامج والكفاءة وتحمل المسؤولية. وهذه الرؤية تحتاج إلى إرادة جماعية صادقة لترجمتها إلى واقع يشعر به المواطن في حياته اليومية.
وأستذكر هنا جزءًا من خطابكم السامي عام 1999 عند تسلم سلطاتكم الدستورية، حين أكدتم العهد على مواصلة المسيرة ووضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح والاعتبارات، واحترام الدستور وحماية المسيرة الديمقراطية، وتعميق دولة المؤسسات والقانون والعمل من أجل النهضة والعدالة الاجتماعية. وهي كلمات بقيت تمثل خارطة طريق وطنية لكل من يؤمن بأن الأردن لا يبنى إلا بالإخلاص والعمل المشترك.
إن أبناء الأردن المخلصين يقفون خلف القيادة الهاشمية الحكيمة بالمحبة الصادقة والولاء الراسخ، وينظرون إلى المستقبل بثقة، مؤمنين بأن قوة الوطن تكمن في وحدة أبنائه، وعدالة مؤسساته، ونزاهة مسيرته، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع يضعف الدولة، بل يجب أن يكون وسيلة لإثرائها وخدمة أهدافها.
فالأردن أكبر من الأشخاص وأبقى من المصالح الفردية، وأسمى من أي خلاف عابر. وسيظل الوطن العزيز قادرًا على تجاوز التحديات بإذن الله ما دام أبناؤه يؤمنون بأن الوطنية ليست شعارًا يرفع بل مسؤولية تُمارس، وأن خدمة الوطن شرف، وأن المصلحة العامة أمانة في أعناق الجميع.
حفظ الله الأردن وحفظ جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار ووفقه لمواصلة مسيرة البناء والإصلاح والازدهار، في ظل الراية الهاشمية الخفاقة




