د. خضر عيد السرحان
يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تحولات جذرية في "بنية الردع"، حيث انتقلت المنطقة من مرحلة التنافس الخاضع لضبط القوى الدولية إلى حالة من "السيولة الاستراتيجية".
إن تآكل قواعد الاشتباك التقليدية يرفع احتمالات نشوب مواجهة شاملة، سيكون العالم العربي فيها الطرف الأكثر تضرراً بنيوياً واقتصادياً.
تُعرف الأدبيات الاستراتيجية في مراكز الأبحاث الدولية مثل Chatham House "تآكل الردع" بأنه الحالة التي تفقد فيها الأطراف المتصارعة القدرة على تقدير العتبة المسموح بها للاعتداء.
وتشير التحليلات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS) إلى أنّ الانتقال من "الحروب المحدودة" إلى "المواجهة المفتوحة" أصبح احتمالاً وارداً نتيجة امتلاك أطراف غير دولية (Non-state actors) لقدرات عسكرية تقنية متقدمة (مثل المسيرات والصواريخ الدقيقة)، مما يجعل الردع التقليدي القائم على "الضربة الانتقامية" غير ذي جدوى.
تتفق مراكز الدراسات الموثوقة على وجود مؤشرات تقنية وسياسية تشير إلى اقتراب مرحلة "أشد ضراوة"، فوفقاً لتقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، سجلت المنطقة العربية أعلى معدلات نمو في الإنفاق العسكري العالمي خلال العامين الماضيين، مما يعكس حالة من "تأمين المصالح" الفردية على حساب الأمن الجماعي.
وتشير تسريبات استخباراتية وتحليلات لصحف دولية (مثل Financial Times) إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل "مناطق رمادية" لم تكن مشمولة سابقاً، مما يقلص المساحات الآمنة للمناورة الدبلوماسية.
العالم العربي: بين "ساحة التصفية" و"ميدان الاستنزاف"
تستند الفرضية القائلة بأن العالم العربي سيكون الخاسر الأكبر إلى ثلاثة مرتكزات علمية:
•هشاشة البنى التحتية: تحذر تقارير البنك الدولي من أن أي تصعيد عسكري واسع النطاق سيؤدي إلى انهيار سلاسل التوريد الحيوية، مما يفاقم معدلات التضخم ويقضي على عقود من التنمية الاقتصادية في دول "خط المواجهة".
•تفكك النسيج الاجتماعي: تؤكد دراسات Carnegie Endowment أن الحروب في البيئات المعقدة ديموغرافياً تؤدي إلى موجات نزوح قسرية تضغط على الدول المستضيفة، مما يخلق حالة من "عدم الاستقرار الداخلي" المزمن.
•غياب المظلة الأمنية: تشير تصريحات صناع القرار في مراكز البحث الغربية إلى تراجع الاهتمام الأمريكي التقليدي بالاستقرار الإقليمي مقابل التركيز على التنافس مع الصين وروسيا، مما يترك الفراغ الاستراتيجي للقوى الإقليمية التي تفتقر إلى "رؤية مشتركة للأمن".
*السيناريوهات المستقبلية
1.سيناريو "التصعيد المضبوط": استمرار الصراعات في حدودها الحالية مع ارتفاع وتيرة التكاليف الاقتصادية والبشرية.
2.سيناريو "الفوضى الشاملة": انهيار كلي في قواعد الاشتباك، مما يؤدي إلى توسع نطاق الصراع ليشمل دولاً لم تكن طرفاً، وهو السيناريو الأكثر تهديداً للأمن القومي العربي.
3.خلاصة: إن "خريف الردع" ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لغياب تنسيق استراتيجي عربي يواجه التحديات الدولية. إن استمرار الاعتماد على المظلات الخارجية دون بناء قدرة ذاتية على "إدارة الأزمات" سيجعل من المنطقة ميداناً مفتوحاً لتصفية حسابات القوى الكبرى، وهو ما يستدعي تحركاً عاجلاً نحو صياغة "عقيدة أمنية إقليمية" تعيد تعريف المصالح العربية بعيداً عن أهواء التنافس الدولي.




