الشريعة خالدة والفقه متجدد...
القلعة نيوز
"الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها." إبن القيم في إعلام الموقعين، وكما يقول الشاطبي في الموافقات: "إنما وضعت الشريعة لمصالح العباد." وهنا بين من استطاع توظيف الشريعة بتلك الصورة الرشيدة التي جاءت من أجلها الشريعة، وما هو المقصود من الشريعة وهوالترابط الحقيقي لكل مسألة تتعلق بالمجتمعات وأثر تلك المسألة على المجتمع، ، إلى ما هو الحكم في هذه الجزئية أو تلك، وبين تلك الصور التي خرجت عن بعض الفقهاء عبر الزمن، والتي لم توظف روح الشريعة ومقاصدها، وعلقت عند المسائل الجزئية، كما حدث مع الصحف، ووسائل الإعلام المختلفة، وحتى الهاتف والطباعة، إلا صورة واضحة عن تجاوز الصواب والواقع من بعض الفقهاء، وعجزهم عن إدراك مآلات هذه المسائل، فلم تساهم آراؤهم في تعزيز مفهوم الدين، ولم تصل إلى مقاصد الشريعة وروحها.
وهنا لم تعجز الشريعة، ولا النص الشرعي في مصدره، ولكن عجزت بعض العقول عن الوصول إلى الفهم السليم، وهذا الانحياز يستدعي تطوير وسائل جديدة لعدم تكرار مثل هذه التصرفات التي تسيء، ولا تخدم نقاء الشريعة وقدرتها على مواجهة التحديات، والخروج بحلول تتفق مع الشريعة، وتساهم في حل مشكلات حديثة. فالشريعة، كما يقول الإمام القرافي الشريعة معصومة، أما أقوال المجتهدين فلا.
ولذلك تجد فرقًا واسعًا بين الكثير من اجتهادات الفقهاء، وقدرة الشريعة وسعة أفقها، فالنصوص الشرعية الصحيحة في مكان، واجتهادات هؤلاء في مكان دونه بكثير، وهذا أمر أجده مقبولًا، فلن تستطيع قدرة الرجال، مهما بالغوا، الإحاطة بالشريعة وعظمتها، وتبقى أبواب الاجتهاد والتطور في فهم النص الشرعي مفتوحة على الزمن، وربما من هنا يأتي المجدد، أو الذي يسعى إلى التجديد، كما في حديث المجدد، فهو ينطلق من النص الشرعي، ولكنه يصل إلى أماكن لم يصل إليها من كان قبله، ليفتح أبوابًا جديدة تساهم في إيصال الشريعة إلى مستواها الحقيقي، أو لتوافق الواقع والزمان، وتساهم في فهم مشكلاته ووضع الحلول لها. وهنا يظهر دورها واضحًا كرسالة عالمية تصلح لكل زمان ومكان، وقادرة على دمج المكونات الإنسانية المختلفة في المشارب والأديان تحت بوتقة واحدة.
ولا يعني هذا، بحال، أن كل ما جاء به الفقهاء يجب إعادة دراسته قبولًا ورفضًا، وأتبنى هنا ما ذهب إليه الإمام محمد الغزالي المحدث من أن أمر العبادات أُشبع في كل مجالاته، ولم يبقَ الفقهاء منه شيئًا إلا النزر اليسير، ولكن مقاصد الشريعة، ومعاملاتها، وأخلاقها، وبناء الإنسان، وصناعة المدنية والحضارة، والسياسة الشرعية، والتحالفات، هي التي تحتاج إلى الكثير من الجهد؛ لأننا هنا بعيدون جدًا عن مقاصد الشريعة، وعن ذلك الفهم السنني للعمران واندثار المدنية عند ابن خلدون، وما زلنا في مرحلة السبات التي أشار إليها. وإذا نظرت إلى هذا الإنسان الذي لم يستوعب عظمة المنهج الذي بين يديه، تجده غارقًا في بعض الشعائر والعبادات، بعيدًا جدًا عن روح الإسلام وحقيقته التي ساهمت بنقل رجل البادية من مرحلة الخمول الحضاري إلى مرحلة إشاعة النور الحضاري.
وهذا ما ساهمت روح الإسلام في تعزيزه في نفوس رجال مثل أبي بكر، وعمر، وربعي بن عامر: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام." كما في تاريخ الطبري. هؤلاء ارتقوا لملامسة ذلك النور الذي أفاض على أرواحهم، فنقلها من تلك الظلمة التي كانت منتشرة إلى ذلك النور الذي أفاض على الكون عبر نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم. وبعدها تجد عقولًا أُقفلت وانغلقت على نصوص هنا وهناك، ولم تستطع أن توفق بين هذه النصوص ومقاصد الشريعة العظيمة، وهنا لا غرو أن كتبًا مثل المقدمة لابن خلدون، والموافقات للشاطبي، بقيت حبيسة لقرون طويلة، ويبدو أنها ما زالت حبيسة على الكثير من العقول مع هذا التحجر الذي نعيشه.
إذا أردنا لهذا الدين أن يحرر الإنسان، فلا بد أن نحرر عقولنا في فهمه، وأن تتسع أنظارنا لمقاصده العليا، ومآلاته الكلية، وأن نستحضر أن الإنسان مكلَّف بالعقل، ومسؤول بالاختيار، وأن الشريعة إنما جاءت لحفظ الدين، والنفس، والعقل، وقد سعت إلى بناء بيئة إنسانية راشدة تُصان فيها الحقوق، وتحفظ الحريات، ويُرفع فيها الظلم، تحقيقًا لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة، كما يقرره ابن عاشور أن من أعظم مقاصد الشريعة حفظ الفطرة الإنسانية وإبقاؤها على استقامتها. فالشريعة تسعى لخلق بيئة تنطلق فيها هذه القدرات والحريات، لتحقق مناط التكليف ومفاهيم الاستخلاف.
وهذا رأيي ولكم الإحترام...
إبراهيم أبو حويله...




