الدكتور نسيم أبو خضير
في الأردن ، لا تُقاس هيبة الدولة بكثرة المكاتب ، ولا بعدد المناصب ، ولا بما تحمله بطاقات المسؤولين من ألقاب؛ بل تُقاس بقدرتها على أن تكون إلى جانب أبنائها في أصعب لحظاتهم ، وأن يشعر المواطن أن الدولة ليست جهازاً بعيداً عنه ، وإنما بيتٌ كبيرٌ يفتح أبوابه عندما تنزل المصيبة.
وهنا تحديداً تظهر قيمة توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، وتظهر معها صورة الرجال الذين إختارهم جلالته لتحمّل أمانة المسؤولية .
ففي حادث الحافلة الأليم الذي وقع على الطريق الصحراوي ، وأودى بحياة ستة أشخاص ، بينهم خمسة من المكلفين بخدمة العلم وسائق الحافلة ، وأصاب عدداً من أبنائنا ، كانت توجيهات جلالة الملك واضحة في متابعة المصابين ، وتقديم أفضل أشكال الرعاية الطبية لهم . وقد زار رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف حسن العيسوي المصابين في مستشفيات الكرك والطفيلة ومدينة الحسين الطبية ، ونقل إليهم تمنيات جلالة الملك وسمو ولي العهد بالشفاء العاجل .
لكن المشهد الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار .
إنه مشهد الدولة الأردنية وهي تقف إلى جانب الإنسان .
مشهد رجال الدولة ، من رئيس الديوان الملكي ، ومدير دائرة المخابرات العامة ، ورئيس هيئة الأركان المشتركة ، ومدير الأمن العام ، وهم يتحركون بروح المسؤولية التي أرادها جلالة الملك لمؤسسات الدولة : مسؤوليةٌ لا تعرف المسافة بين المسؤول والمواطن ، ولا ترى في المنصب إمتيازاً ، بل أمانةً وخدمةً وواجباً.
وهنا نقول لجلالة الملك عبدالله الثاني :
شكراً لأنك تعلّم رجال الدولة بالفعل قبل القول ، أن الإنسان الأردني ليس رقماً في سجل ، ولا اسماً في ملف ، ولا خبراً في نشرة ، وإنما هو إبنٌ من أبناء هذا الوطن ، وكرامته ووجعه وفرحه مسؤوليةٌ في أعناقنا جميعاً .
وهكذا هم رجال أبي الحسين ...
يذهبون إلى بيوت العزاء ، لأن المصاب مصاب الوطن كله .
ويذهبون إلى المستشفيات ، لأن سرير المريض في عرف الدولة الأردنية ليس بعيداً عن قصرها ولا عن مؤسساتها .
ويقفون إلى جانب ذوي الضحايا ، لأن الأردن الذي يجمعنا في أيام الفرح هو الأردن نفسه الذي يجب أن يجمعنا في لحظات الحزن.
هذه هي الرجولة في المسؤولية ...
أن تعرف متى تكون في مكتبك ، ومتى تغادر المكتب إلى الناس .
أن تعرف أن بعض المواقف لا تحتاج إلى بيانات طويلة ، وإنما تحتاج إلى حضور .
وأن تدرك أن مواساة أم فقدت إبنها ، أو أبٍ ينتظر خبراً عن فلذة كبده ، أو شابٍ يرقد على سرير المرض ، قد تكون أبلغ من مئات الكلمات .
ولذلك فإنني أحيّي بكل تقدير هذه الروح التي ظهرت في تعامل مؤسسات الدولة مع هذه الفاجعة ، وأحيّي رئيس الديوان الملكي الهاشمي ، ومدير المخابرات العامة ، ورئيس هيئة الأركان المشتركة ، ومدير الأمن العام ، وكل ضابط وفرد وطبيب ومسعف ورجل دفاع مدني وأمن عام ، وكل من كان في الميدان يؤدي واجبه بصمت وشرف .
هؤلاء هم رجال أبي الحسين ...
رجالٌ لا يكتفون بحمل المسؤولية في المكاتب ، وإنما يحملونها معهم إلى الميدان .
رجالٌ يعرفون أن ثقة الملك ليست تشريفاً ، وإنما تكليف .
وأن خدمة الوطن ليست موسماً ، ولا مناسبةً إعلامية ، وإنما سلوكٌ يوميٌّ وموقفٌ ثابت .
رحم الله من قضوا في هذا الحادث الأليم ، وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان ، ومنّ الله على المصابين بالشفاء العاجل التام.
وحفظ الله الأردن ، وحفظ جيشه وأجهزته الأمنية ، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني .
وفي كل مرةٍ تتقدم فيها الدولة الأردنية نحو أبنائها في لحظة ألم ، نقول بثقة وإعتزاز :
هَكَذَا هُمْ رِجَالُ أَبِي الحُسَيْنِ ...
حُضُورٌ فِي الوَقْتِ الصَّعْبِ ، وَوَفَاءٌ لِلإِنْسَانِ ، وَأَمَانَةٌ لِلْوَطَنِ .




