آخر الأخبار
مصر .. قرار بمنع ظهور المذيعة شيرين الأطروش وإيقاف برنامجهانُقطة وأول السطرالبنك الأردني الكويتي راعٍ ذهبي ومشارك في مهرجان الأردن للتكنولوجيا المالية 2026جريمة الابتزاز الإلكترونيمعتز هشام: تعدد الشخصيات يجعلني أكتشف مناطق جديدة في أدواتي كممثلفايا يونان تكشف تفاصيل إصابتها بسرطان الجلد وتنصح جمهورها للوقاية منهعايض يحذر بمقاضاة من يتدخل بحياته الخاصة وينشر أكاذيب عنهامساعٍ لردم الفجوات بين واشنطن وطهران .. ترامب يتوقع محادثات جديدة وإيران تنفيالاحتلال الإسرائيلي يغلق الحرم الإبراهيمي 3 أيام بحجة الأعيادألم مفاجئ في المفاصل .. متى يكون إنذارًا خطيرًا؟
رأي

1984

منذ 38 دقيقة5 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

مرّ أكثر من ثلاثين عامًا منذ قرأت "1984" للمرة الأولى. يومها أغلقت الكتاب ومضيت إلى حياتي، إلى الطائرات والمطارات والرحلات التي كانت تأخذني من مدينة إلى أخرى ومن قارة إلى أخرى، لكنني اليوم، وقد جاوزت السبعين وخفت من حولي هدير المحركات عدت بذاكرتي إلى تلك الرواية لا لأتذكر أحداثها وحدها، بل لأتوقف أمام سؤال لم يخطر لي بالعمق نفسه حين قرأتها أول مرة، كيف استطاع رجل كتب هذا الكتاب عام 1949 أن يتخيل عالمًا بعد خمسة وثلاثين عامًا فقط، فيسمي روايته "1984" ثم يبني داخله مجتمعًا تتغير فيه الحقيقة وتُراقب فيه حياة الإنسان ويُعاد فيه تشكيل التاريخ واللغة والذاكرة ؟

جورج أورويل، نشر "1984" سنة 1949، ثم لم يمهله العمر طويلًا ليرى ما ستفعله روايته بالعالم، فقد توفي عام 1950، عن ستة وأربعين عامًا، أي إنه رحل بعد أشهر قليلة من صدور الرواية التي ستجعل اسمه حاضرًا بعد موته بعقود.

حين أفكر في ذلك اليوم، أجد المفارقة مذهلة، كان أورويل يكتب في عالم خرج لتوه تقريبًا من أهوال الحرب العالمية الثانية، ولم يكن هناك إنترنت، ولا هاتف ذكي ولا شبكات اجتماعية ولا ذكاء اصطناعي ولا كاميرات رقمية تحيط بنا في كل مكان. ومع ذلك تخيل دولة اسمها "أوقيانيا" يحكمها حزب يعلو فوق الناس باسم "الأخ الأكبر" وتحيط بالمواطنين شاشات لا تنقل إليهم الخطاب فحسب بل تراقبهم أيضًا.

بطل الرواية، وينستون، يعمل في "وزارة الحقيقة" ويا لها من تسمية ساخرة، لأن وظيفته ليست حماية الحقيقة، بل إعادة صناعتها، يعود إلى الصحف والوثائق القديمة ليغيرها كلما تغير موقف السلطة حتى يصبح ما وقع بالأمس تابعًا لما تقرره اليوم. الماضي ليس ثابتًا والذاكرة ليست مأمونة والحقيقة نفسها يمكن أن يعاد طبعها ثم يطلب من الناس أن ينسوا النسخة السابقة.

ولم يكتف أورويل بذلك. تخيل "شرطة الفكر" وتخيل لغة جديدة تُختصر مفرداتها عامًا بعد عام لأن تقليل الكلمات يعني في منطقه تقليل قدرة الإنسان على التفكير بالأفكار التي لا يرغب النظام في وجودها. وتخيل أن الحب نفسه يمكن أن يصبح فعل تمرد كما حدث في علاقة وينستون بجوليا، لأن السلطة الشمولية لا تكتفي بولاء الإنسان في العلن بل تريد أن تدخل إلى آخر مساحة خاصة في قلبه.

وأنا اليوم في عام 2026 أتساءل. لو عاد أورويل للحياة، ماذا كان سيرى؟

لن أقول إنه سيجد نبوءته قد تحققت حرفيًا، فالعالم أكثر تعقيدًا من ذلك، ومجتمعاتنا ليست دولة "أوقيانيا" واحدة، لكن ربما كان سيتوقف طويلًا أمام مفارقة لم يتخيلها حتى هو. أن الإنسان لم يعد يحتاج إلى شاشة تفرضها السلطة على جدار بيته لأنه يحمل الشاشة معه طوعًا في جيبه منذ أن يستيقظ حتى ينام.

بهاتف صغير نعرف مواقعنا ونرسل صورنا ونشتري حاجاتنا وندفع الأموال ونقرأ الأخبار ونعلن إعجابنا وغضبنا ونكشف — أحيانًا من غير أن ندرك — قدرًا هائلًا من اهتماماتنا وعاداتنا وخياراتنا. وفي العالم الرقمي المعاصر أصبحت قضايا المراقبة والخصوصية واستعمال الذكاء الاصطناعي في إدارة المعلومات من القضايا الأساسية في النقاش حول الحريات الرقمية. وتشير "فريدوم هاوس" إلى أن حرية الإنترنت عالميًا واصلت تراجعها للعام الخامس عشر على التوالي في تقريرها لعام 2025 مع تزايد الرقابة والمراقبة والتلاعب بالمعلومات في دول متعددة.

وربما كان أورويل سيصاب بدهشة أكبر أمام الذكاء الاصطناعي وقدرته على صنع صورة لإنسان لم يقف أمام كاميرا أو تسجيل صوت لم ينطق به صاحبه أو مقطع يمكن أن يبدو حقيقيًا وهو لم يحدث أصلًا. ففي روايته كان وينستون يحتاج إلى موظف ووزارة ليعيد كتابة خبر قديم أما في زماننا فقد يستطيع شخص جالس أمام شاشة أن يصنع خلال دقائق مادة تبدو لك كأنها شهادة بصرية على واقعة لم تقع.

وهنا يتغير السؤال. لم يعد الخطر فقط من يخفي الحقيقة ؟ بل أصبح أيضًا. كيف أعرف أن ما أراه حقيقة أصلًا ؟ بعد أكثر من أربعين عامًا في الطيران أعرف أن كثرة الأجهزة لا تعني دائمًا أنك في أمان، المهم أن تعرف كيف تقرأها وكيف تقارن بينها ومتى تشك في القراءة غير المنطقية. فالطيار لا ينجو لأنه يملك عدادات كثيرة بل لأنه تعلم ألا يسلم حياته لقراءة واحدة إذا ناقضتها بقية القرائن.

وأرى أن الإنسان في 2026 يحتاج إلى العقلية نفسها. نحن نملك معلومات أكثر مما امتلك أورويل نفسه، لكن امتلاك المعلومات شيء، والقدرة على تمييز الصحيح منها شيء آخر. ولو جلس أورويل معنا اليوم، فلا أستطيع أن أنسب إليه ما سيقوله فقد رحل. لكنني أتخيله ينظر إلى هواتفنا وإلى الذكاء الاصطناعي وإلى بحر الأخبار الذي لا ينقطع، ثم ربما يطرح علينا سؤالًا أبسط وأشد قسوة من كل ما كتب: هل أصبح الإنسان أكثر حرية لأنه يعرف أكثر أم أصبح أكثر قابلية للتوجيه لأنه لم يعد يعرف أيَّ ما يعرفه يستحق أن يصدق ؟

الموعظة: بعد السبعين، وبعد أكثر من ثلاثين عامًا على قراءتي الأولى لـ"1984" أدرك أن قيمة الرواية لم تكن في أنها تنبأت بأجهزة المستقبل، بل في أنها فهمت ضعف الإنسان القديم. فالأداة تتغير، أما الخوف فيبقى خوفًا والكذب يبقى كذبًا والرغبة في السيطرة تبقى هي نفسها مهما تغيرت الأسماء.

لقد علمتني السماء أن أخطر لحظة في الطيران ليست حين تضيع عن الطريق وتعرف أنك ضائع، بل حين تكون خارج المسار وتظن أنك تسير في الاتجاه الصحيح. وكذلك الحقيقة.

ليس أخطر ما يمكن أن يحدث لنا في عام 2026 أن يكذب أحد علينا، فقد كذب البشر بعضهم على بعض منذ بدء التاريخ، الأخطر أن نعيش وسط هذا القدر الهائل من المعرفة، ثم نفقد عادة السؤال وأن تكون بين أيدينا وسائل البحث كلها ثم نكتفي بما يأتينا جاهزًا.

فإذا كان أورويل قد خاف عام 1949 من مستقبل يفرض فيه الآخرون على الإنسان ما ينبغي أن يصدقه، فلعل سؤال عام 2026 أشد مرارة. ماذا لو أصبح الإنسان هو الذي يتنازل طوعًا عن حقه في أن يتحقق ؟

عندئذ لا نكون قد هُزمنا لأن "الأخ الأكبر" راقبنا، بل لأننا أطفأنا الحارس الأخير في داخلنا. وحين تنام البصيرة لا يعود للكذب حاجة إلى سجن ولا للسلطة حاجة إلى سوط، يكفي أن يفقد الإنسان شجاعته في السؤال، فيمضي إلى قيده بقدميه ويظن أنه اختار الطريق بنفسه.

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962