في الأردن، دائما ما يكون التاجر أو المواطن الخاسر الوحيد من قرار أصدرته حكومة فلان، ثم بكل بساطة جاءت حكومة علان وألغته، دون تبرير منطقي أحيانا، ودون تبرير مهما كان نوعه أحيانا أخرى، وما قصة الألف سيارة الكهربائية العالقة في المنطقة الحرة منذ شهور ولا يستطيع أصحابها تخليصها أو إعادتها إلى بلدها إلا امتدادًا للمسلسل الذي حفظناه عن ظهر قلب: قرار يصدر ثم قرار جديد يلغي ما سبقه!
بدأت القصة الألف سيارة في مايو/ أيار 2024، حيث أصدرت حكومة بشر الخصاونة رزنامة شاملة لاستيراد السيارات الكهربائية الجديدة والمستعملة، انطلق منها التجار في استيراد سيارات ليتاجروا بها، في سوق يعرف القاصي والداني أنه يشهد تراجعاً في حركة البيع والتخليص، في ظل حالة من الحذر لدى التجار والمستهلكين، وكان من أبرز أسباب كساد السوق صدور قرارات حكومية ثم صدور قرارات حكومية أخرى تعدل عليها أو تنسفها تماما، وهذا التعديل المتكرر في الرسوم والتعليمات والمواصفات أدى إلى زيادة حالة عدم اليقين داخل السوق، ناهيك عن ارتفاعات الكلف وتغير أسعار المركبات التي أدت إلى تأجيل قرارات الشراء لدى شريحة من المستهلكين. وفي موازاة ذلك، أصبح التجار أكثر تحفظاً في الاستيراد، خشية تراكم المركبات وتجميد رؤوس أموالهم. وتزامن هذا كله مع انخفاض واضح في أعداد المركبات التي يتم تخليصها للسوق المحلية، خصوصاً السيارات الكهربائية.
نعود إلى رزنامة حكومة بشر الخصاونة، فمن خلالها كانت سيارات موديل 2024 مؤهلة للدخول إلى السوق الأردنية اعتبارًا من 1 يناير/ كانون الثاني/ 2026، وفق آلية احتساب تقوم على سنة التصنيع والموديل والاستخدام. والسيارات المستعملة هنا لا يقصد بها بالضرورة تلك التي استخدمت فعليا، فقد تكون جديدة وبعداد صفر، لكنها تقع ضمن التصنيف التنظيمي لكلمة مستعملة، وهي الكلمة التي جعلت الألف سيارة متوقفة في المنطقة الحرة، تبدو وكأنها وصلت إلى نهاية رحلتها، لكنها في الحقيقة عالقة قبل خط النهاية.
ثم جاءت حكومة جعفر حسان، وأصدرت في 28 يونيو/ حزيران 2025 قرارا جديدا ألغى العمل برزنامة بشر الخصاونة، حيث منح القرار الجديد المستوردين مهلة لتسوية أوضاعهم على أن تنتهي في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وخلال هذه الفترة أدخل المستوردون نحو 90 ألف سيارة من موديلات 2023 وما قبلها، فيما بقيت سيارات موديل 2024 في حالة بوار بعد أن تجاهلتها التعليمات الجديدة، فالرزنامة القديمة كانت تحدد موعد إدخالها بعد 1 يناير 2026، فيما تنتهي المهلة الجديدة يوم 1 نوفمبر 2025، ما وضع مستوردي تلك السيارات أمام معادلة تحتاج إلى الخوارزمي وإسحاق نيوتن لحلها، فهم مطالبون بإدخال سياراتهم قبل انتهاء المهلة، مع أن الرزنامة التي استوردوا سياراتهم بناء عليها لا تُجيز إدخالها إلا بعد انتهاء تلك المهلة بشهرين.
والنتيجة أن أكثر من ألف مركبة بقيت في المنطقة الحرة، فيما وجد أصحابها أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: انتظار معالجة تسمح بالتخليص، أو إعادة تصدير المركبات وتحمل خسائر إضافية، وهو خيار تقول المعطيات المتاحة إنه ليس عملياً في كثير من الحالات بسبب محدودية الأسواق المجاورة!
ومع مرور الوقت، بدأت فاتورة الانتظار بالارتفاع. قيمة المركبات العالقة تقدر بنحو 15 إلى 20 مليون دينار، وتضاف إليها تكاليف التخزين والتمويل والالتزامات المصرفية. وهناك أكثر من 250 موظفاً ترتبط وظائفهم باستمرار أعمال الشركات المتضررة.
لكن المفارقة الأكبر تظهر عند النظر إلى الطرف الآخر من المعادلة: الخزينة أيضاً لا تستفيد من بقاء هذه المركبات في مكانها. فبحسب تقديرات القطاع، يمكن أن تصل الرسوم والضرائب التي يفترض تحصيلها عند التخليص إلى نحو خمسة ملايين دينار وأكثر.
وعلى هذا الأساس يصبح السؤال أبعد من السيارات نفسها: كيف يمكن أن تتحول عملية كان يفترض أن تنتج نشاطاً اقتصادياً ورسومًا للخزينة إلى أموال مجمدة، وشركات مهددة، وإيرادات لا تُحصّل؟
أحد التجار المتضررين قال في تقرير تلفزيوني بُث مؤخراً إن التجار سيخسرون بعد شهرين من الآن أكثر من 90% من قيمة هذه السيارات نتيجة إغلاق كافة الأسواق في وجهها. وفيما أكد المتحدث أنه لو نجح التجار في تصديرها فستخسر خزينة الدولة ملايين ولن تستفيد شيئا، وسيخسر التاجر بضاعته أيضا، تساءل بأسى: من المستفيد إذا خسر الجميع؟ وهو سؤال نطرحه أيضا لأنه مشروع بكل الأعراف والقوانين، ومع إيماننا ودعمنا لجهود الحكومة في حماية السوق وتنظيم الاستيراد، لكن إيماننا أكبر بأن أي حماية أو تنظيم ينبغي بناءهما على مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”، فهؤلاء التجار لم يشتغلوا “على روسهم”، بل سعوا واجتهدوا ضمن قرار حكومي واضح، فهل بتنا نعاقب من يعمل تحت مظلة القانون؟ وهل ينقص سوق السيارات كسادا إضافيا وخسائر جديدة فوق التي يعيشها منذ سنوات، ومن يتولى شؤون ومصاريف أكثر من 250 موظفا باتوا قاب قوسين أو أدنى من الانضمام إلى جحافل المتعطلين عن العمل؟
وهكذا، خسر التجار لأنّهم التزموا بالقرار، وخسرت الحكومة لأنّها غيّرت القرار. وبين الخسارتين، تقف ألف سيارة في المنطقة الحرة شاهدةً على مفارقة لا تحتاج إلى قرار جديد لتفسيرها، بقدر ما تحتاج إلى قرار ينصف أصحابها، ويعيد هذه السيارات إلى السوق قبل أن تتحول الخسارة إلى ما هو أبعد من ذلك: رأس مال تاجر بات على بعد أشهر من الفناء، وموظفون معلقة مصائرهم ومصائر أسرهم بإنقاذ الحكومة لرأس المال أو إغراقه!







































