ربما هذه الأجيال لا تعرف "نابليون" الأردني الذي كان يجوب شوارع وزقاق وسط البلد بسرعة وخفة طوال النهار، مرتديًا بدلته المزركشة باللونين الأحمر والأزرق، وكثيرا من النياشين على الكتف وأسفل جيوب البدلة، وتعتلي رأسه "برنيطة" مثل تلك التي يرتديها نابليون نفسه.
اختفى نابليون الأردني، ومنذ ذلك الوقت تغير وسط البلد، لكن بعض المعالم بقيت تمامًا مثل ذكرى نابليون الأردني الذي كان أحد معالمها.سياحة الأردن
مقاه كثيرة حديثة حلت محل القديمة التي كان لها هوية مميزة، بينما هذه الحديثة خلطت بين الحداثة المفبركة والقديم وقليل من التراث، لكنها لم تشكل هوية تعكس روح وسط البلد الذي نعرفه.
اختفت أسواق مهمة كانت تعرض أحدث ما توصل إليه عالم الأزياء في أوروبا، لكن سوق الصاغة بقي كما هو.
سعت أمانة عمان إلى تجميل وسط البلد، فأضافت أرصفة وممشى، وأغلقت زقاقًا وفتحت أخرى، وظل مطعم هاشم واحدًا من المعالم التي تدل على وسط البلد الذي نعرفه، زاد الزحام وزادت السيارات، ولم تتوقف أبواقها، رغم أن المدن المهمة تحظر استخدام أبواق السيارات في المناطق القديمة.
قررت أن أسلك طريقًا قديمًا اعتدت أن أسلكه في سن مبكرة كثيرًا، عمّان كما عرفتها في صغري كانت وسط البلد وجبل القلعة وجبل الحسين والدوار الأول، ولا أحدثكم عن اللويبدة الراقية الفخمة.
وإذ مشيت تملأ أنفي رائحة الليمون صيفًا تنافسها روائح أشجار السرو والتين.
تغيرت كثيرًا وكثيرًا جدًا، فاستبدلت هذه الروائح بأخرى ليست بأفضل منها، عوادم السيارات وبقايا موائد الإفطار في حاويات الألمنيوم الصدئة، لا مكان لشجر الليمون، وقد تداعت أشجار السرو على سيقانها ظمآنة، لم تعد تطلق ذات الروائح المعطرة لما تحفها نسمات خفيفة تهب ناعمة من جهة الغرب، وقليلًا قليلًا كانت بالكاد تحمل معها بعض الغبار.
قررت أن أسلك الطريق إلى جبل القلعة، فوجدته مسيجًا ممنوع المرور إليه، وقد كنت أجوله ركنًا ركنًا وزاوية زاوية، حفظت آثاره قطعة قطعة، وسميت أشجاره شجرة شجرة.. لم تعد أشجاره هي ذاتها، فقد انطفأت خضرتها، هذه يابسة، تلك تتداعى تسقط أو تكاد، وتلك قد اقتلعت ليزرع في محلها عمودًا من الإسمنت.
وسط البلد تغير، لكن هل للأفضل أم للأسوأ؟ قد أعتبر هذا استفتاء، أطلب من القراء آراءهم.
الرأي

رأي
في وسط البلد
التحكم بالخط:
عن الكاتبعصام قضماني








































