شريط الأخبار
العيسوي يتفقد مشاريع مبادرات ملكية في إربد خامنئي لترامب: لن تتمكن من القضاء على إيران "السياحة" تحذر من التعامل مع المكاتب والجهات غير المصنفة لديها المنطقة العسكرية الشمالية تحبط محاولتي تسلل وتهريب مواد مخدرة وأسلحة رئيس مجلس الأعيان يلتقي سفيري تركيا وقبرص لدى المملكة الخارجية النمساوية تمنح منظمة أردنية جائزة الإنجاز بين الثقافات جاهزية إعلامية مبكرة لرمضان: استعراض الخطة الإعلامية الإجرائية للاستعداد لشهر رمضان المبارك الأمير الحسن يرعى إطلاق "مشروع أولويات البحث العلمي الوطنية (2026–2035)" ضبط اعتداءات على خطوط مياه في لواء بني كنانة الفوسفات تحقق 25.4% من أرباح الشركات والبنوك العاملة والمدرجة في بورصة عمان لـ2025 مدير الأمن العام يترأس اجتماعاً أمنياً ويوعز بتفعيل الخطط الأمنية والمرورية الخاصة بشهر رمضان المبارك تجارة الأردن تشارك باجتماعات الغرفة الإسلامية ومنتدى مكة للحلال 2026 عين على القدس يسلط الضوء على استعدادات أوقاف القدس لاستقبال شهر رمضان انخفاض ملموس اليوم واجواء باردة حتى الخميس تحذير رسمي من الجمعية الوطنية لحماية المستهلك: تجنبوا العصائر الرمضانية المباعة على الأرصفة إعلان تحذيري هام من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي! أسعار الذهب في السوق المحلية تشهد انخفاضًا ملحوظًا اليوم الثلاثاء الملك يبحث مع رئيس أركان الدفاع البريطاني تعزيز الشراكة الدفاعية مجلس التعاون الخليجي تؤكد دعم اليمن ووحدة أراضيه رؤساء جامعات: تفاقم الديون بسبب ضعف الإدارة وليس التمويل

من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد

من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد
من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد

نادية ابراهيم القيسي
عضو اتحاد الكتاب والأدباء الاردنيين

أن تكون إعلاميًا في زمن أصبح فيه الحرف رهينة، والتعبير جريمة، والحقيقة مكبلةً بالتفاف ألف سوط وسوط يجلد فيهما الناشر قبل الناطق، فإنك غدوت كما القابض على الجمر في زمن ساد فيه تغييب الضمير الحي واستباحة الفكر الرشيد نحو سيكولوجية القطيع، بقوانين احتكارية وأخرى احترازية، وصراعات عشوائية، انبثقت من تطور العوالم الافتراضية بكل ما تشملها من غوغائية، لتغدو الحقيقة المجردة أخطر سلاح بمنظور استبدادي، وأضعف الإيمان بمنظور عقائدي.

إن الإعلام الحقيقي ليس بناقل أخبار، أو وسيلة ترويج أو ترف باذخ في حاضرٍ كادح، بل هو نضال بالقول حين يصبح سرد الصدق باهظ الثمن، ويكون الصمت عنه خيرًا من ألف ندم. فكل حرف يُكتب يحمل ثقل الواقع، وكل كلمة تُنطق تختبر الصمود في وجه الطغيان، وكل صورة تُلتقط تكشف زاوية من ظلام دامس لا يراه إلا من يمتلك الشجاعة ليقرأ ما بين السطور. لذا فإن الإعلام الواعي مستهدف بمجمله عالميًا من زناديق الكيانات العظمى بلا تفريق ما بين جنس أو عرق أو دين أو شعوب، لطمس كل ما يُظهر خبايا الظلم والبطش، ليكون التنكيل بأشكاله مما قد يصل إلى حد الاغتيال أحيانًا عقوبة للمهنية الاحترافية، وأبلغ دليل على ذلك استشهاد مئات الإعلاميين والصحفيين في شتى أنحاء العالم أبان الحروب وخارجها.

إن كل صحيفة، إذاعة، منصة، هي ميدان للأمانة والنزاهة، فالساحة الإعلامية اختبار أخلاقي للضمير الإنساني. بكلمة حرة نقية، مضاءة بنور الإخلاص واليقين، تتجاوز القيود وتتخطى المدى لآفاق العلو، وترسّخ بوضوح الخط الفاصل ما بين الوظيفة والرسالة… بين من يكتب ليحيا، ومن يكتب ليشهد. فتصبح الرواية أبدية تحكي واقعًا مفجعًا أمام الخرس القاتل لمجتمع دولي يراقب، يحنث بالوعود، يتنكر للوقائع، ويختار الصمت القابع في محراب الانحياز الغاشم.

وفي قلب هذا المشهد، يقف الإعلام العالمي بوصفه فاعلًا لا مراقبًا، وشريكًا بالصمت أو بالانتقاء حين تُرتكب الجرائم تحت عباءة القوة والنفوذ. فليست كل الجرائم سواءً في ميزان التغطية، ولا كل الضحايا يُمنحون الحق ذاته في الظهور أو التعاطف. ثمة وقائع تُدفن عمدًا تحت طبقات كثيفة من الإلهاء، وملفات تُطوى لا لأنها أُغلقت قانونيًا، بل لأنها باتت محرجة أخلاقيًا لمن يمتلك مفاتيح السرد والقرار. في هذا السياق، لا يغيب التساؤل حول الكيفية التي تُدار بها أجندات الأخبار العالمية، وكيف يُعاد تعريف "الأولوية” بما يخدم منظومة مصالح متشابكة، تجعل من بعض الحقائق عبئًا يجب التخفف منه، لا مسؤولية يجب كشفها.

غير أن هذا التعتيم -مهما طال- لم يكن مطلقًا. إذ أثبتت الصحافة الاستقصائية، عبر تاريخها الحديث، أنها القوّة القادرة على إحداث الشقوق في الجدران المصمتة، وأنها الصوت الذي لا يرضخ بسهولة لسطوة المال أو النفوذ أو الحصانة غير المعلنة. فبجهد تراكمي ما أعياه الصبر، وبالاعتماد على الوثائق والشهادات والربط المنهجي، نجحت أقلام جريئة في كشف شبكات معقّدة من الانتهاكات والاستغلال، كانت تُدار في الظل، وتُحاط بحماية سياسية وإعلامية كثيفة. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين إعلام يكتفي بإعادة تدوير الرواية الرسمية، وصحافة ترى في البحث عن الحقيقة واجبًا أخلاقيًا لا يسقط بالتقادم.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على كثرة المنصات، بل على شجاعة المحتوى ونزاهة المنهج. فحين تتراجع القوى الإعلامية عن دورها الرقابي، يتحول السكوت إلى تواطؤ، وحين تنهض الصحافة الاستقصائية، ولو بأدوات محدودة، تستعيد الكلمة قدرتها على الإدانة، وتفرض على العالم أن ينظر، ولو متأخرًا، إلى ما كان يُراد له أن يبقى طيّ الكتمان كما في أوج البساتين العالمية الإجرامية المستترة في جزر نائية مترفة.

الإعلام الحر أن تبقى الحقيقة كما هي، واضحةً جليّةً بلا تزييف أو تنقيحٍ انتقائي، تعطي صوتًا لمن لا صوت له، ومنبرًا لكل من يجرؤ على قول الحق، ومساحةً للذين يختارون مواجهة النوائب بدل الانصياع لضغوط المحن؛ فتروي الوقائع كما يجب أن تُروى، وتبقى الشهادات الإنسانية حيّةً، سردية مُوثقة عبر التاريخ، تجربةٌ مستمرة، ودعوةٌ للتفكير، وفضاءٌ للتغيير بالالتزام الواعي بالنزاهة والشفافية نحو المساءلة وإرساء العدالة.