الوطن بين الفضل والإنصاف...
القلعة نيوز -
ليس الوطن مجرد رقعة جغرافية، ولا مجرد ذكرى عابرة، بل هو تراكم من المعاني: فكرة، وبناء، وعلم، ومعرفة، وحب، وراحة، وعطف، وجمال... وألم أيضًا. فهل يستحق هذا كله شيئًا من الوفاء، حتى حين يُخطئ؟ وهل يخطىء الوطن ..
المشكلة أن بعض الناس يتعامل مع الوطن كما يتعامل العاشق مع صورة متخيلة لا وجود لها. يظن أن ما لم يحصل عليه هو الأفضل دائمًا، فيغرق في وهمٍ يصنعه الخيال، لا الواقع. وهذا النمط من التفكير لا يصحو إلا على صدمة الحقيقة: أن ما كان يطارده لم يكن يومًا حقيقة.
هل ينطبق هذا على من يهجر وطنه معنويًا، لا لأنه فقده، بل لأنه لم يحقق فيه ما أراد. نعم، لا يمكن إنكار أن هناك قضايا كبرى تتجاوز حدود الأوطان، وفي مقدمتها القضايا العادلة كفلسطين، التي تبقى واجبًا أخلاقيًا ودينيًا وقوميًا لا جدال فيه. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه القضايا إلى ذريعة لتعطيل كل شيء آخر: بناء الإنسان، وتنمية المجتمع، والعمل الحقيقي المنتج.
الوقوف عند المظلومية شيء والفعل والإنفعال شيء أخر، والاكتفاء بتوزيع الاتهامات والتخوين، لا يصنع انتماءً، بل يصنع إنسانًا ساخطًا، ناكرًا، عاجزًا عن البناء. الوطن الذي احتضنك، ومنحك فرصة التعلم، والأمان، والانطلاق، لا يُردّ له الجميل بالجحود عند أول اختلاف، ولا يُختزل في خطأ أو ظلم جزئي. فالإنصاف يقتضي أن ترى الصورة كاملة، لا أن تحاكم الكل بجزء. ولن تستطيع مهما حاولت فهم متغيرات الأحداث المرتبطة بزمن سابق، فضلا عن أن تفهم تلك الأحداث التي تحدث اليوم، فهل نعطي الوطن مساحة من العذر.
ولعل ما أشار إليه إدوارد سعيد في حديثه عن "فقدان الوطن” يكشف لنا حجم النعمة التي لا يشعر بها إلا من فقدها: أن تكون بلا هوية، بلا أرض، بلا قدرة على الحركة أو الاستقرار. عندها فقط يدرك الإنسان أن الوطن ليس فكرة يمكن استبدالها، بل كيان يُفقد مرة واحدة. وعندها يدرك البعض معنى النعمة التي منحها إياه الوطن. ومع ذلك، فإن الانتماء لا يعني العمى. فالوطن قد يظلم، وقد يقصّر، وقد يدفع بعض أبنائه إلى الغربة. لكن الفرق بين الإنسان المتوازن وغيره، أن الأول يُطالب بالإصلاح دون أن ينقلب إلى نقيض كامل، ودون أن يهدم كل ما كان بينه وبين وطنه من علاقة.
الحب الحقيقي، سواء كان لوطن أو لإنسان، لا ينفصل عن العدل. بل إن العدل هو أعلى تجليات هذا الحب. فمن أحب سعى أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يصنع واقعًا أفضل، لا أن يبرر الظلم ولا أن يهدم كل شيء بسببه. الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول الحب إلى أنانية، أو إلى رد فعل أعمى. حينها لا يعود قوة بناء، بل يصبح أداة هدم.
الأزمات لا تختبر الأوطان فقط، بل تختبر أخلاق أبنائها أيضًا. فكم من علاقة كانت مستقرة، ثم انهارت بسبب موقف واحد، لأن الأخلاق غابت، والذاكرة أُلغيت، والإنصاف تلاشى. الإنسان الذي يرتقي بأخلاقه، فإنه حتى في الاختلاف أو الفراق، يحفظ ما كان من ودّ، ويؤدي ما عليه بسمو، لأنه يدرك أن القيم لا تتجزأ.
القضية في الاختيار بين الوطن والقضايا الكبرى، بل في القدرة على التوازن بينهما: أن تبني حيث أنت، وأن تنصر ما تؤمن به، دون أن تخسر نفسك أو تنكر فضلاً أو تهدم واقعًا يمكن إصلاحه. فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تُحفظ بالجحود، بل تُصان بالعدل، وتُعمّر بالوفاء، ويُنهض بها إنسان ذا خلق يعرف كيف يحب… دون أن يفقد بصيرته.
إبراهيم أبو حويله...




