القوانين
وحدها لا تكفي
المحامي معن عبد اللطيف العواملة
يلحظ المتتبع للمشهد الإداري في الاردن فيضاً
من القوانين، والأنظمة، والسياسات، ومدونات السلوك التي صُممت بجهود كبيرة لضبط
إيقاع الإدارة الحكومية وصون المال العام. و هناك شبه اجماع بين خبراء القانون
والمال والإدارة على أن الدولة الأردنية لم تقصر في التخطيط للعمل العام وتشريعه.
إلا أن هناك فجوة مستمرة بين طموح المشرع وواقع المنفذ.
تقليديا، لم يمثل الموظف العام هيبة
الدولة من خلال المنصب او الرتبة، بل عبر سلوك منضبط تفرضه بيئة اجتماعية لا ترحم
المقصر. ومن علامات الرقي الإنساني والتقدم الحضاري هو الارتقاء من الانضباط القسري
بفعل القانون، إلى الانضباط الذاتي المنطلق من القيم. إن الاعتماد على الضمير
الإنساني في الأداء، بعيداً عن الرقابة الخارجية المباشرة، هو حجر الزاوية و
الضمانة الحقيقية لجهاز اداري لا يصيبه الترهل.
لا تُبنى الأعراف بقرارت إدارية، بل
تُنحت في وعي المؤسسة من خلال الممارسات القيادية. عندما يلتزم القائد بأعلى
معايير النزاهة في أصغر تفاصيل عمله، فإنه يسنُّ عُرفاً أقوى من أي مادة قانونية.
إن ممارسات القادة هي التي تمنح الروح للنصوص، لان الأعراف الراسخة تولد من
التكرار الواعي للسلوك القويم. فالقائد الحقيقي لا يلقي محاضرات في النزاهة، بل
يعيشها، وبذلك يحولها إلى أسلوب حياة داخل المؤسسة.
ان الطموح للوصول إلى مواقع القيادة في
العمل العام هو حق مشروع ومحرك للتنافس المحمود. و هنا، فإن الالتزام بالحدود
الدنيا للنصوص القانونية المكتوبة، أي الاكتفاء بما لا يعاقب عليه القانون لا يصنع
تميزاً، بل يكرس الرتابة التي تقتل الإبداع. التميز الحقيقي هو نتاج أعراف وتقاليد
راسخة تمنع المسؤول من التراخي أو التورط في المساحات الرمادية. إن الالتزام
الأخلاقي، الممزوج بنظرة المجتمع السلبية للموظف غير المسؤول، هو رادع أقوى بكثير
من عقوبات القانون. فالقانون قد يُخترق بثغرة، لكن العرف الأخلاقي لا يرحم، وخسارة
السمعة المهنية والاجتماعية في الوجدان الأردني كانت دوماً تفوق في ألمها أي عقوبة
إدارية.
يبدأ الحل بالاعتراف بوجود انفصام في
نظرتنا للمال، حيث يُحترم المال الخاص ويُحمى بقوة، بينما يُنظر للمال العام بنوع
من الارتخاء الذهني. إن الاستهتار بالموارد الحكومية، أو التنفع بها تحت شتى المسميات،
يعكسان فجوة أخلاقية لا تسدها القوانين وحدها. القوانين الصارمة موجودة في
أدراجنا، لكنها بحاجة الى حاضنة اجتماعية، تجعل من التساهل في ادارة الموارد العامة
وصمة عار تلاحق صاحبها، تماماً كما تلاحقه العقوبة القانونية.
إننا في امس الحاجة اليوم إلى قادة حكوميين
يصنعون الاعراف و يعيدون الاعتبار لقيم العمل العام السليمة. يدفعنا النقد
الإيجابي الى القول إن الأردن الذي بنى مؤسساته في ظروف شحيحة وبإمكانيات بسيطة،
لكن بقيم تضحية عظيمة، قادر اليوم على استعادة ألق إدارته العامة من خلال استعادة
هيبة العُرف.
العمل العام هو أرقى
أشكال العطاء الإنساني، وحمايته تبدأ من داخل الإنسان، من محكمته الداخلية، ومن
عُرف إداري يرى في الحفاظ على أصغر مقدرات الدولة مساوياً للحفاظ على الكرامة
الانسانية. بهذا، تتحول ممارسات قادتنا إلى منارات تهتدي بها الأجيال الإدارية
القادمة، وننتقل من إدارة الموارد إلى قيادة الثقافة الإدارية.




