شريط الأخبار
فقدان المكان ؛ كيف تتحول الهوية إلى أزمة. .... سوريا: إلقاء القبض على نائب رئيس أركان جيش نظام الأسد "فخّ ثيوسيديدس"... رئيس الوزراء اللبناني: البلاد سئمت من الحروب المتهورة التي تخاض من أجل مصالح أجنبية نيويورك تايمز: مساعدو ترامب يعدون خططا للعودة للضربات العسكرية على إيران إذا قرر كسر الجمود محاربة الفساد تحتاج إلى معركة وجودية TCL تطلق مجموعة تلفزيونات SQD-Mini LED لعام 2026 في الإمارات العربية المتحدة، وتكشف عن طرازات C7L وC8L والطراز الرائد X11L أفضل أيام الدنيا أيام العشر Uptime تعلن عن تقريرها السنوي لتحليل الانقطاعات لعام 2026 شركة ستيتش السعودية تجمع تمويلاً بقيمة 25 مليون دولار في جولة استثمارية من الفئة "أ"(Series A) بقيادة أندريسن هورويتز Celonis أطلقت نموذج Context Model للقضاء على النقاط العمياء التشغيلية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات، ووافقت على الاستحواذ على شركة Ikigai Labs الرائدة في مجال ذكاء اتخاذ القرارات المدعوم بالذكاء الاصطناعي الأمن السيبراني ودوره في حماية المجتمع الرقمي تهنئة من عشيرة الشورة تحديث وتطوير القطاع العام تهنئة تخرج مؤتة العسكرية النكبة الفلسطينية.. جرح التاريخ وثبات الموقف المصري: مسودة قانون الإدارة المحلية تستهدف حوكمة القطاع وتعزيز الدور الاستثماري للبلديات وزير السياحة يفتتح سوق الكرك التراثي الأسبوعي - جارة القلعة تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل 45 يوما رويترز: واشنطن تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس السلام

فقدان المكان ؛ كيف تتحول الهوية إلى أزمة. ....

فقدان المكان ؛ كيف تتحول الهوية إلى أزمة.   ....
فقدان المكان ، كيف تتحول الهوية إلى أزمة...

القلعة نيوز -
يقول جبران خليل جبران: "أنا ابنٌ للغربة، أحمل وطني على ظهري أينما ذهبت". عندما تصبح الهوية ممزقة تحت الاحتلال، كما يقول فرانتز فانون عن احتلال الجزائر، وكيف أصبح الإنسان الجزائري فاقدًا للمكان والزمان والهوية واللغة: "المستعمَر يشعر أنه خارج التاريخ، خارج اللغة، خارج المكان". واليوم لم تبقَ شعوب مستعمَرة إلا الشعب الفلسطيني. إن "فقدان المكان" عند الفلسطيني لم يكن فقدانًا جغرافيًا فقط، بل كان تفككًا في الهوية، وانكسارًا في الوعي، وتمزقًا في الانتماء. وهذا ما رصده إدوارد سعيد في خارج المكان: الفلسطيني يصبح خارج المكان أينما وقف.

تكلّم إدوارد سعيد عن المشكلة التي عانى منها الفلسطيني بعد احتلال أرضه وطرده من بيته، وفقدان هويته. وهنا شعر الكثيرون فجأة بالغربة في أرضهم؛ غسان كنفاني يقول: "وُلدت في المنفى"، وألّف رواية عائد إلى حيفا. وكيف أصبح الفلسطيني رقمًا، ولاجئًا بلا عنوان يبحث عن هوية، ويقول: "لقد صرتُ شيئًا يتحرك بلا جذور، بلا هوية". ومحمود درويش، الذي يحمل جنسية المستعمِر، يقول: "أنا الغريب هناك... في وطني، أنا السجين هناك... في جسدي". وإميل حبيبي يقول: "لقد أعطوني هوية، لكنهم لم يعطوني وطنًا". والكاتبة سميرة عزام، التي أُخرجت من عكّا، تقول: "لقد خرجتُ من بيتي ولم آخذ مفتاحه، ظننت أني سأعود بعد أيام"، وها أنا في انتظار دائم وتمزق داخلي.

لقد كانت هذه الغربة رفيقًا دائمًا للفلسطيني؛ يحملها معه سواء في محيطه العربي، الذي تعامل المعظم معه على أنهم شعب بلا هوية، أو في دول العالم، وخاصة أوروبا وأمريكا. ويذكر سعيد كيف كانت حياته قبل الاحتلال، وكيف كانت والدته تسافر معهم من مصر إلى لبنان، إلى الدول الأوروبية، وإلى أمريكا. واليوم أصبحت والدته تعاني في كل مرة تزور فيها الولايات المتحدة لأنها كانت تحمل الوثيقة الفلسطينية، مع أن زوجها، وهو من أصل فلسطيني، يحمل الجواز الأمريكي. ومع ما لأمريكا من يدٍ طولى في استمرار هذه المعاناة وزيادتها، كانت تنتظر كل مرة لساعات طويلة في المطارات رغم أن زوجها يحمل الجنسية الأمريكية.

الأزمة الوجودية التي عاشها الفلسطيني بعد احتلال أرضه وطرده من بيته لم تفقده المكان فحسب، بل هزّت جذور هويته نفسها؛ فجأة وجد الفلسطيني نفسه غريبًا في نفسه، وفي أرضه، وفي محيطه، وفي هذا العالم، يتنقل بين مخيمات ومنافي، ويحمل هوية مشروخة يبحث عن اعتراف لا يأتي. وشعر الكثيرون بأنهم غرباء حتى في محيطهم العربي، إلا في بلدان قليلة، إذ جرى التعامل معهم — في كثير من اللحظات التاريخية — بوصفهم شعبًا بلا أرض وبلا هوية سياسية راسخة، وكأن النكبة قد اقتلعت جذورهم من الوعي العربي كما اقتلعتهم من جغرافيا وطنهم. ولم تكن الأزمة أزمة مشاعر في كثير من المواقف، بل أزمة وجودية؛ بحيث لا يستطيع هذا الذي لا يحمل هوية أن يعمل أو يستثمر أو حتى أن يسافر، في أحيان أخرى.

أمّا في الدول الغربية، فقد نُظر إليهم على أنهم شعب بلا حقوق ولا هوية، بل إنسان مشكوك فيه حتى لو حمل هوية. وكيف كانت والدة سعيد تُعامل دومًا كأنها دخيلة أو موضع شك، مجرد امتداد لمأساة فلسطينية طويلة ساهم الغرب — وخاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ومن ثم الولايات المتحدة — بسياساتهم وتحالفاتهم في إدامتها وتعقيدها. لقد كانت تلك التجارب الشخصية، كما يذكر سعيد، مرآة لمعاناة شعب بأسره: شعب يُسلب وطنه، ثم يُطلب منه أن يبرّر وجوده، وأن يثبت شرعية معاناته، بينما القوى الكبرى تواصل تثبيت أسباب هذا الألم وإطالة عمره.

الأيام تدور، والكأس تدور، وتزداد غربة "الإسرائيلي" اليوم، ويجد رفضًا حتى في تلك البلاد التي كانت تأخذه بالأحضان سابقًا. بل وصل الأمر بالكثير منهم إلى البحث عن جنسية أخرى: برتغالية، وألمانية، وبريطانية. ويبدو أن عرّابي الدولة اليهودية ساهموا في زيادة غربة اليهود في العالم بتصرفاتهم وظلمهم لشعوب لا ذنب لها، سوى ما تقوله أيديولوجيا تاريخية ملفّقة تم التلاعب بها، والدسّ بأقوال رجال وأفكارهم فيها. وكأنّ المشروع الذي وُعِدوا بأنه "وطن آمن" تحوّل إلى عبءٍ ثقيل على هوياتهم نفسها. ويحمل وزر هذه الدولة المارقة، المتمردة على الإنسانية والقانون الدولي، والممارسة لأبشع أنواع الإبادة والتمييز العنصري، التي أصبحت تُعرف بقتل الأطفال والنساء والمبالغة في استهدافهم. ويبدو أن عرّابي الدولة اليهودية — من قادة الفكر الصهيوني ورعاة مشروعها السياسي — أسهموا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، في زيادة عزلة اليهود في العالم، حتى من الذين يعادون الصهيونية ويرفضون التمييز العنصري والقتل على الهوية، أصبح هؤلاء في موطن اتهام وشبهات. فالممارسات اليوم لا تشبه حكايات الاضطهاد التي تبني عليها الأيديولوجيا شرعيتها، بل تشبه ظلمًا مُعاشًا تمارسه قوة محتلة على شعب أعزل أمام أعين العالم.

لقد صنعت الصهيونية غربة جديدة لليهود: غربة عن الشعوب التي تتعامل الآن بحذر ورفض مع كل ما يرتبط بإسرائيل، وغربة عن الذات؛ إذ يشعر كثير من اليهود الليبراليين، وحتى المتدينين غير الصهاينة، بأن السردية الموعودة لا تشبه ما يحدث على الأرض، وأن المشروع الذي قيل إنه سيجمعهم أصبح سببًا في توتر علاقاتهم مع مجتمعاتهم الأصلية، بل ومع ضميرهم الأخلاقي. فقد حمّل قادة المشروع الصهيوني اليهود وزر سياساتهم، وربطوا اسمهم — كجماعات وأفراد — بمظالم لا علاقة لكثير منهم بها، ولا بما تروّجه الأيديولوجيا من نصوص وتأويلات وأحلام تاريخية.

وهكذا، بينما كان الفلسطيني يعيش غربة قسرية في وطنه وخارجه، نجد الإسرائيلي اليوم يختبر غربة من نوع آخر: غربة يفرضها الفعل السياسي المتوحش الذي جعل العالم يرى الحقيقة بوضوح. وهناك ارتفاع غير مسبوق في طلبات الهجرة العكسية، وأظهرت تقارير صحفية إسرائيلية زيادة كبيرة في طلبات الحصول على جنسية ثانية، خاصة البرتغالية والفرنسية والألمانية. وشركات المحاماة في تل أبيب أعلنت أن الطلبات تضاعفت ثلاث مرات بعد حرب غزة. وفي بلدان العالم اليوم، هناك رفض اجتماعي وثقافي متنامٍ لليهود القادمين من إسرائيل، وجامعات أمريكية وبريطانية أصدرت بيانات تُدين سياسات إسرائيل وتعتبر أفعالها "إبادة جماعية". وطلاب يهود في جامعات مثل جامعة كولومبيا وجامعة هارفارد صرّحوا بأنهم يتجنبون الإعلان عن إسرائيلية هويتهم خوفًا من الرفض الاجتماعي.

ولأول مرة منذ عقود، يتهم أعضاء في الكونغرس الأمريكي — بعضهم يهود — إسرائيل بانتهاكات خطيرة. وبرلمانات أوروبية تناقش حظر دخول ضباط إسرائيليين بسبب جرائم الحرب. وجاليات يهودية في بريطانيا وفرنسا وأمريكا أصبحت منقسمة علنًا، وتيار واسع من اليهود الليبراليين يرفع شعار "Not in our name”. كما خرجت مظاهرات لجماعات يهودية أمريكية مثل Jewish Voice for Peace ضد إسرائيل.

هذا الانقسام يعكس غربة داخل الهوية نفسها. فاستطلاعات الرأي داخل إسرائيل تُظهر أن أكثر من نصف المجتمع لا يثق بالجيش ولا بالحكومة. وكتّاب وصحفيون يهود يصفون دولتهم بأنها "بيت بلا سقف". الغربة هنا ليست خارجية فقط، بل غربة المواطن عن دولته. هناك تصاعد في الهجرة إلى الخارج، وأرقام وزارة الهجرة أظهرت قفزات كبيرة في عدد المغادرين دون عودة. ومدن مثل تل أبيب والقدس تشهد نزوحًا داخليًا نحو أوروبا وأمريكا. وهناك صراع داخلي بين اليهود أنفسهم: بين المتدينين والعلمانيين، بين الأشكناز والسفارديم، وبين اليمين المتطرف واليسار. ومحلل إسرائيلي وصف الوضع بأنه "نحن نعيش حربًا أهلية باردة". كما حذّر كبار المفكرين اليهود من "تحوّل إسرائيل إلى عبء أخلاقي". وقال الفيلسوف اليهودي الأمريكي مايكل والزر: "إسرائيل أصبحت مشكلة أخلاقية لليهود حول العالم"، ووصف مفكرون آخرون سياسات إسرائيل بأنها "تسمم صورة اليهودي عالميًا". هذه هي غربة الهوية، وغربة اليهودي عن الصورة التي تُفرض عليه باسم "الدولة".

لقد تحولت إسرائيل من "ملاذ آمن" إلى مصدر خطر. ففي استطلاع لمعهد "بيو"، يرى أغلب اليهود الأمريكيين أن إسرائيل تعرّضهم للخطر بسبب أفعالها. وعائلات يهودية في فرنسا رفضت الهجرة إلى إسرائيل لأنها "غير آمنة". واليهود الناجون من المحرقة — أو أبناؤهم — يقولون شيئًا صادمًا: "إن إسرائيل اليوم تشبه القوة التي كانوا يهربون منها، لا القوة التي كانوا يحلمون بها". كل هذا يعكس أزمة أخلاقية عميقة. وما بدأ بغربة سببتها الأيديولوجيا اليهودية، يعيش الإسرائيلي اليوم بسببها غربة عن العالم، وغربة في مجتمعه نفسه، وغربة عن هوية يهودية يتم اختطافها لصالح مشروع سياسي دموي.

ما بدأ مشروعًا أيديولوجيًا قوميًّا عنصريًّا يقوم على الفصل العنصري والتفوق العرقي، أصبح اليوم لعنة تلاحق أصحابه والمنتسبين إليه. حتى اليهود الموجودون في الكيان يشعرون بوجود تمييز طبقي وعنصري يُمارس ضد فئات شرقية أو من أصول إفريقية أو حتى غربية. وهناك تفريق أيديولوجي بين اليهود المتدينين والعلمانيين والليبراليين. وهناك عبء أخلاقي يتحمله اليهود خارج الكيان بسبب التفرقة العنصرية والإبادة التي تُمارس ضد أصحاب الأرض.

فهل هي لعنة العقد الثامن؟ أم لعنة الظلم والهيمنة والتسلط واستعمال القوة المفرطة في التعامل مع الآخر؟

إبراهيم أبو حويله...