الدكتور المحامي محمد منجي القطيشات
لم يعد الخوف من الكلاب الضالة مجرد هواجس عابرة، بل انها تحولت إلى واقع يومي يفرض حظر تجول غير معلن في العديد من محافظات المملكة و حتى في أحياء العاصمة عمّان. فالكثير من العائلات اصبحت تخشى إرسال أطفالها إلى مدارسهم صباحاً، وغابت الطمأنينة عن النساء و عن المصلين وخاصة كبار السن وهم في طريقهم إلى المساجد فجراً، وسط تزايد مقلق لحوادث العقر المفجعة التي حصلت وسببت آثاراً جسدية ونفسية لا تُمحى على أجساد من تعرضوا لعقرهم. هذا الواقع المؤلم لم يعد يحتمل التبريرات، ويضعنا جميعاً أمام سؤال قانوني وإنساني: من يتحمل المسؤولية المدنية والجزائية عن هذه الأضرار التي تلحق بالمواطنين ؟ :من الناحية التشريعية، فإن القوانين والأنظمة حددت بوضوح الجهات الملزمة بالتعامل مع هذه الظاهرة والوقاية من أخطارها. حيث تنص المادة (13/أ/26) من قانون أمانة عمان رقم (18) لسنة 2021 على دور أمانة عمان داخل حدودها، يضاف إليها ما جاء في "نظام مراقبة الكلاب والتخلص من الضالة منها ضمن حدود البلديات" وكما نصت المادة (16/أ/24) من قانون الإدارة المحلية رقم (22) لسنة 2021 صراحة على إناطة البلديات بواجب"الرقابة على الكلاب والتعامل مع الضالة منها والوقاية من أخطارها وإعداد أماكن لإيوائها". وفي ذات السياق،. وبناءً على ذلك، فإن تراخي هذه الجهات في السيطرة على تكاثر وانتشار هذه القطعان داخل الأحياء يعد تقصيراً صريحاً في إنفاذ الواجبات الوظيفية المقررة قانوناً.أما من حيث جبر الضرر والتعويض، فجاء نص المادة (256) من القانون المدني الأردني الى القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية بنصها: "كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر". وبما أن القضاء الإداري والنظامي الأردني استقر في العديد من أحكامه على الزام المؤسسات العامة بالمسؤولية عن "الخطأ المرفقي" الناجم عن تقصيرها وإهمالها، فإن اي شخص تعرض للعقر له الحق القانوني الكامل في رفع دعوى على أمانة عمان و البلديات والمطالبة بالتعويض عن الأضرار سواء النفسية أو الجسدية. ورغم المقاربات الحديثة القائمة على الرفق بالحيوان ومشاريع السيطرة الحيوية مثل
(ABC)
، إلا أن هذه البرامج يجب ألا تنفذ على حساب سلامة و أمن المواطنين وحقه في التنقل الآمن و الذي كفله الدستور .لذا، فإن الخروج من هذا المأزق يتطلب خطوات عملية وفورية تبدأ بتفعيل الشق الإلزامي في القانون لبناء مآوٍ مخصص ومعزول وبعيد عن الأحياء السكنية من أجل استيعاب اعدادهم المتزايده. كما يتطلب الأمر من مجالس المحافظات والبلديات تسريع حملات التطعيم و التعقيم ضمن سقف زمني محدد ، مع ضرورة إيجاد قنوات رصد وخطوط ساخنة للاستجابة السريعة لبلاغات المواطنين حول البؤر الخطيرة. وأخيراً، لا بد من فتح الباب للشراكة مع القطاع الخاص والجمعيات المؤهلة تحت إشراف رسمي لتوفير الدعم المالي واللوجستي لهذه الملاجئ، ونشر برامج توعوية للمواطنين لأن حماية أرواح البشر وإنفاذ نصوص القانون يجب أن تظل دائماً فوق كل اعتبار و إن تكلفة الفحوصات والمطاعيم الوقائية والمتابعة الطبية للمصابين تشكل استنزافاً هائلاً ومستمراً للموازنة العلاجية لوزارة الصحة، وهي أموال كان من الأجدى توجيهها للوقاية المسبقة ومنع تكاثر الحيوانات في الشوارع و الاحياء السكنية . إيجاد مظلة تأمينية للبلديات: نوصي بإبرام عقود تأمين إلزامية للبلديات ضد مخاطر وأضرار حيوانات الشوارع، وذلك لتجنيب ميزانياتها من الاستنزاف المباشر نتيجة أحكام التعويض القضائية المتزايدة .
ونوصي أمانة عمان و البلديات لتفعيل برامج السيطرة المعتمدة علمياً وبيئياً بالتعاون مع الجمعيات المختصة، لسد ثغرة الإهمال والتقصير الوقائي وتجنب قيام مسؤوليتها المدنية. و نوصي ايضا بوضع معايير موحدة واضحة لدى اللجان الطبية لتقدير الأضرار المعنوية والنفسية المرافقة لحوادث العقر، وعدم الاكتفاء بالتعويض عن الأضرار المادية المشهودة فقط.




