شريط الأخبار
ترامب يقول إنه اختار "عدم تدمير" البنية التحتية النفطية عند قصف جزيرة خرج الإيرانية الأمير مرعد يرعى إفطاراً رمضانياً للهيئة الهاشمية للمصابين العسكريين قبل أذان المغرب بدقائق.. متطوعون يسابقون الزمن لإفطار الصائمين على الطرقات أمانة عمان توقف مكافآت التحول الإلكتروني والإرشفة مؤقتًا لدراسة آلية الصرف أردوغان: تركيا لن تنجر للحرب مع إيران أمين عام حزب الله: أعددنا أنفسنا لمواجهة طويلة وتهديدات إسرائيل لا تخيفنا الحرس الثوري: استهدفنا الأراضي المحتلة وقواعد أمريكية بمسيرات وصواريخ "قدر" و"خيبر شكن" أمانة عمان تعلن عن اجراءات للتعامل مع المنخفض الجوي الأردن ودول الخليج يبحثون تعزيز الشراكة والتصعيد في المنطقة آل البيت: تأجيل أقساط الادخار والاستثمار لشهرين ارتفاع حاد لأسعار الشحن الجوي تأثرا بالحرب إعلام إسرائيلي : الجيش يستعد لعملية برية واسعة في لبنان شرطة أبوظبي توقف 45 شخصا على خلفية تصوير هجمات وتداول معلومات مضللة أسواق النفط تواجه أكبر أزمة في التاريخ .. قائمة ببعض الاضطرابات السابقة دوي انفجارات في بغداد رويترز: إسرائيل ترفض عرضا من الرئيس اللبناني لإجراء مفاوضات مباشرة تشمل تطبيع العلاقات واشنطن تتدخل رسميا للدفاع عن إسرائيل في قضية الإبادة الجماعية أمام العدل الدولية أبو عاقولة يوضح تفاصيل الاعتداء على الشاحنات الأردنية في سورية الداخلية القطرية تعلن إخلاء مناطق محددة من السكان ترمب: قضينا على البحرية وسلاح الجو في إيران .. كل شيء انتهى تقريباً

صلاح تكتب : عمّان دحبرها دحبرها

صلاح تكتب : عمّان دحبرها دحبرها
ناهد صلاح / كاتبة مصرية
​ونحن على مشارف نهاية هذا العام، قررت أن أكتب عن المدن التي زرتها خلاله، لا بوصفها محطات سفر عابرة، بل كأماكن تركت أثرها فيّ. مدن لا تُختصر في صور، ولا تُفهم من دليل سياحي، بل من التجربة، من الناس، من التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى من النظرة الأولى. أبدأ هذه السلسلة بالعاصمة الأردنية، عمّان، المدينة التي لا تُؤخذ من الواجهة، ولا تُقرأ من شوارعها العريضة وحدها.
أثناء زيارتي الثانية للعاصمة الأردنية في شهر يوليو للماضي بدعوة من مهرجان عمّان الدولي للفيلم الأول، ​لم تكن دعوة صديقي الناقد الكبير ناجح حسن لتناول المنسف مجرد اقتراح غداء، بل اقتراح معرفة.. قال ناجح ببساطة: "نروح دحبرها دحبرها" كأن الاسم وحده كافٍ ليحسم الأمر. كانت تلك أول مرة لي، أول "دحبرها"، وأول اختبار حقيقي لعلاقتي بالمنسف خارج الحكايات.
​في المطعم، لا شيء يدّعي الأناقة. كل شيء يقول إنه هنا لأجل الطعام فقط. المنسف جاء واثقًا من نفسه؛ لحم مطهو بلا تكلّف، جميد لا يهادن ولا يساوم على هويته، أرز يعرف دوره جيدًا. ناجح لم يتصرف معي كمرشد سياحي للمطبخ الأردني، بل كصديق يعرف أن التجربة تُترك لتفعل فعلها دون شرح. بين لقمة وأخرى، دار الحديث كما يدور دائمًا بين كاتبين: عن النقد، عن الكتابة، عن تلك المسافة الصعبة بين الفكرة ونصّها. اكتشفت أن المنسف، مثل النقد الجيد، لا يقبل أنصاف الحلول؛ إما أن يُقدَّم كاملًا أو لا يُقدَّم.
من تلك الوجبة، بدأت أفهم عمّان. مدينة تُفهم "دحبرها دحبرها"، طبقة بعد طبقة، كما يُؤكل المنسف: لا تُدرك نكهته من أول لقمة، بل من الصبر على الطهو، من المزج بين ما هو ظاهر وما هو مستتر. إنها مدينة لا تُغريك فورًا، لكنها تُربكك إنسانيًا، ثم تمكث فيك طويلًا.
​عمّان مدينة التراكم. بلا مركز واحد، بلا قلب واضح، لكنها تملك قلوبًا صغيرة موزعة على الجبال. كل جبل حكاية اجتماعية: جبل يفيض بالذاكرة الفلسطينية، وآخر يحمل ثقل العشائر، وثالث يحتضن طبقة وسطى تحاول التوازن بين القيم والضغوط.
​هذا التوزيع ليس عشوائيًا، بل انعكاس صادق لتاريخ المدينة كملاذ قبل أن تكون عاصمة. أنت تمشي في عمّان، لكنك تمشي فوق طبقات من التاريخ لم تُدفن بعد.
ترى ذلك بوضوح في قلبها: المدرج الروماني يقف بكل شموخه، رافضاً أن يكون مجرد أثر قديم. إنه قطعة من "فيلادلفيا" القديمة (الاسم الروماني لعمّان) ومركز حيوي لـ"عمّان" الحديثة في آن واحد. تجد شباباً يلتقطون صورهم على أدراجه، أو شيخاً يتخذ من ظله استراحة بعد يوم عمل. هذا التداخل بين القديم والحديث، بين الركن الروماني المتقن وفوضى السوق الشعبي المبهجة، هو الروح الحقيقية للمدينة.
​عمّان مدينة التعايش الصامت. لا تستعرض تنوعها، لا تتباهى به، بل تمارسه يوميًا دون ضجيج. في أتوبيس واحد قد تجلس بجوار موظف حكومي، ولاجئ، وطالب جامعة، وامرأة تحمل كيس خضار وتفكر في الغد. لا أحد يسأل الآخر من أين جاء، لأن الجميع جاء من مكان ما، يحمل خسارة ما. هنا، لا تُقاس الانتماءات بالشعارات، بل بالقدرة على الاحتمال.
​عمّان هي مدينة النازحين والمنتظرين بكرامة. ربما هذا هو سر تعايشها الصامت. كل ابتسامة هنا تحمل خلفها قصة سفر، أو هجرة، أو خيار صعب. إنها لا تمنح وعوداً وردية، لكنها تتيح مساحة للانتظار بمروءة ونخوة. لا أحد غريب تماماً، لأن الجميع لديه مكان آخر قد تركه.
كل ابتسامة هنا تحمل خلفها قصة سفر، أو هجرة، أو خيار صعب، وتولد قوة ناعمة تخترق الحواجز.
عمّان مدينة الناس العاديين. لا تصنع أبطالًا دراميين، بل تُراكم حكايات صغيرة عن الصبر والعمل ومحاولات النجاة اليومية. البائع الذي يبتسم رغم أثقال لا تُرى، السائق الذي يحفظ شوارع المدينة أكثر مما يحفظ اسمه، الأم التي تدير بيتها كاقتصاد مصغّر قائم على التدبير والاحتمال.
​في السوق الشعبي بقلب العاصمة، حيث تختلط الأصوات كما تختلط الروائح، كنت بصحبة صديقي الكاتب رسمي محاسنة، حين باغتني بائع الزعتر والمريمية والبُن. تفوح من دكانه رائحة الجبال والبيوت القديمة.
رفع رأسه بابتسامة جاهزة وقال بلهجة مصرية حاول أن يجعلها واثقة: "أنا مصري من الفيوم… أرض الخير ". أنصتُّ له، لا لأن الحكاية جديدة، بل لأن الطريقة كانت مسلية. اللهجة كانت تخونه؛ حرف القاف يخرج عن النص، والنبرة الفلسطينية تطل من بين الكلمات. لم أواجهه. تركته يكمل لعبته الصغيرة، تلك التي لا تؤذي أحدًا. في الأسواق الشعبية، لا يُكشف الناس بسهولة، لكن اللهجات دائمًا تقول الحقيقة.
ثقافيًا، عمّان ليست مدينة صاخبة، لكنها عميقة. ثقافتها ليست في المهرجانات الكبيرة فقط، بل في الجلسات المنزلية، في النقاشات الهادئة، في الشعر الذي يُقرأ همسًا. في جلسة مع أدباء وصحفيين أردنيين على مقهى أم كلثوم، تحت صورة كوكب الشرق، حيث حضرت القاهرة دون اتفاق مسبق. حكايات عن مسارح قديمة، وكتب عبرت الحدود، وأغانٍ صنعت وجدانًا مشتركًا. لم يكن الحديث حنينًا فارغًا، بل اعترافًا بأن المدينتين تعرفان بعضهما منذ زمن.
تفتح عينيك على صباح عمّان. الشمس تتسلل فوق جبل اللويبدة، تلون المباني البيضاء بالذهب، ورائحة الخبز الطازج تلتقي بالقهوة التركية. تمشي في وسط البلد، تصعد جبل الحسين، ترى جبل القلعة يحرس المدينة. إنها مدينة تُقاس بالدرجات لا بالأمتار؛ فكل درجة صعوداً أو نزولاً تحكي قصة عائلة عاشت هنا، صعدت ونزلت مع همومها، مما يجعل التضاريس جزءاً من ذاكرتها اليومية. تغرب الشمس، وتتحول عمّان إلى لوحة من الضوء والظل.
​تغادر، لكن المدينة تبقى معك. محفورة في الشعور، في أصوات السوق، في مذاق المنسف. عمّان لا تقول لك "انظر إليّ"، بل تقول: "عِشني". مدينة تُشبه المنسف حقًا: لا تُؤكل على عجل، ولا تُفهم من أول مرة. تحتاج أن تغوص فيها… أن تتلقفها على مهل، ثم بقوة: دحبرها دحبرها.
اليوم السابع