القلعة نيوز:
الدكتورة رشا الركيبات باحثة علوم وسياسات نظام الأرض
تمثل
الجرائم الأسرية المروعة التي هزت الشارع الأردني خلال عامي 2025 ومطلع 2026 نقطة
انكسار خطيرة وحاسمة في بنية السلم المجتمعي إذ لم يعد العنف الأسري مقتصرا على
حوادث الإيذاء النمطية أو الخلافات العابرة التي يمكن احتوائها عبر آليات التوفيق
الأسري المعتادة. لقد تحول المشهد إلى ظاهرة مؤسفة من التوحش الجرمي تتسم بالتنكيل
المفرط والقتل الجماعي للأطفال والتوثيق الرقمي السادي للضحايا فضلا عن تزايد
معدلات الانتحار بين النخب الأكاديمية والمهنية. يفرض هذا التحول النوعي غير
المسبوق ضرورة تجاوز التفسيرات السطحية التي تحصر الجريمة في نطاق الحالة الفردية
المعزولة أو تبررها بساعة الغضب وفقدان السيطرة اللحظي. إن الانتقال نحو مقاربة
التفكير المنظومي بات ضرورة حتمية لتحليل البيئة الحاضنة التي أدت إلى انهيار
الضوابط الأخلاقية والنفسية وحولت الأسرة التي يُفترض أن تكون الملاذ الآمن
والخلية الأولى للتنشئة إلى مسرح للتهديد النهائي والتصفية الجسدية.
يتطلب هذا الواقع المأزوم قراءة نقدية تتجاوز
رصد الأخبار إلى الغوص في البنى العميقة للمجتمع الأردني وتقييم التقاطعات الخطيرة
بين الضغوط الاقتصادية المتصاعدة والانتشار الوبائي للمخدرات التخليقية والهشاشة
النفسية التي تُقابل بالتجاهل. يقدم هذا البحث الاستراتيجي تشخيصا معمقا للواقع
الإحصائي والتحولات الجرمية ويشرح الدوافع النفسية والاقتصادية مع تسليط الضوء على
الرؤية القرآنية الشاملة لحقوق الأسرة وصولا إلى كيفية توظيف القضاء العشائري
الأردني الأصيل كشريك في منظومة الحماية لينتهي بوضع خارطة طريق تنفيذية تقدم حلولا
جذرية وواقعية لصانعي القرار.
المفارقة الإحصائية والتحول النوعي في مؤشرات الجريمة
لفهم
حجم الأزمة البنيوية لا بد من قراءة المؤشرات الأمنية نظرة نقدية صارمة تكشف
التباين الصارخ بين الانخفاض الكمي للجريمة العامة من جهة والارتفاع النوعي المروع
في بشاعة الجرائم الأسرية والجرائم الواقعة على الإنسان من جهة أخرى. أظهر التقرير
الإحصائي الجنائي الصادر عن مديرية الأمن العام لعام 2025 تراجعا في المجموع الكلي
للجرائم بشقيها الجنائي والجنحي بنسبة بلغت 4.01% لتصل إلى 23,021 جريمة مقارنة بـ
23,982 جريمة سُجلت في عام 2024. ومع ذلك فإن هذا الانخفاض الكمي المريح ظاهريا
يخفي تحولا خطيرا في طبيعة الجرائم الواقعة على الإنسان والتي شكلت 5.50% من
إجمالي الجرائم بواقع 1,266 جريمة.
وتتوزع
هذه الجرائم إلى أنماط متعددة حيث يشكل الإيذاء البليغ المؤشر الأول والأكثر خطورة
على تصاعد العنف الجسدي داخل النسيج المجتمعي والأسري بنسبة 67.06% مما يعكس لجوء
الأفراد إلى العنف المادي كأداة لحل النزاعات. يليه الشروع بالقتل بنسبة 21.72%
وهو يعكس توافر نوايا جرمية قاتلة وإصرارا مسبقا لم يكتمل لظروف خارجة عن إرادة
الجاني. أما القتل الخطأ فبلغت نسبته 4.27% ويرتبط بزيادة ملحوظة شملت حوادث
الإهمال الجسيم. وتمثل جرائم القتل العمد والقصد مجتمعة 6.48% وهي ذروة الإلغاء
الجسدي والتصفية وتندرج تحتها غالبية الجرائم الأسرية المروعة التي هزت الرأي
العام.
لقد شهد عام 2025 وحده 17 جريمة قتل في الإطار
الأسري قضى فيها 20 شخصا من بينهم 13 من الإناث و7 من الذكور وتضمنت أنماطاً بالغة
القسوة تعكس تدهورا خطيرا.
تشريح الفواجع الأسرية وتفكيك العقلية الإجرامية المنظور السيكولوجي
تعتبر
مذبحة الكرك التي وقعت في نيسان 2026 من أشد الجرائم ترويعا في تاريخ الأردن
المعاصر. أقدم أب على استدراج أطفاله الثلاثة من منزل والدتهم في لواء الرصيفة
بذريعة التنزه ليقوم بنقلهم إلى مزرعة معزولة وذبحهم طعنا بأداة حادة. من المنظور
العلمي للطب النفسي الشرعي تصنف هذه الجريمة بدقة تحت بند القتل الانتقامي للزوج
أو الزوجة وهو نمط لا يكون فيه الأطفال هم الهدف الأساسي للكره بل يُنظر إليهم
كأشياء وممتلكات أو امتداد للزوجة السابقة. ما يضفي طابعا من التوحش الاستثنائي
على هذه الجريمة هو التوثيق الرقمي حيث قام الجاني بتصوير الجثث وإرسال مقطع مرئي
لعائلة الأم وهو سلوك يشير إلى غياب تام للتعاطف ورغبة متعمدة في التلذذ بإيقاع
العذاب النفسي.
في مقابل ذلك تبرز فاجعة الرمثا في آذار 2026
كنموذج صارخ للقتل المرتبط بالاعتلال النفسي. أقدمت سيدة أردنية ثلاثينية على قتل
ابنتيها ندى وسلسبيل رميا بالرصاص قبل أن تنهي حياتها. تصنف هذه الجريمة ضمن القتل
الإيثاري الممزوج بالذهان أو الاكتئاب الحاد حيث تعتقد الأم الواقعة تحت تأثير
الانفصال التام عن الواقع واليأس المطبق أن الموت هو الخلاص الوحيد لأطفالها من
واقع تراه مظلما. أما الجريمة الثالثة فهي مقتل المحامية زينة في كانون الثاني
2026 على يد شقيقها المتعاطي لمخدر الكريستال ميث مما يبرز التقاطع المميت بين الإدمان
التخليقي والعنف الأسري.
المنظور القرآني الشامل حماية الأسرة وحقوق الأبناء والمطلقات واليتامى
أرسى
القرآن الكريم منظومة تشريعية وأخلاقية متكاملة تضمن حقوق جميع أفراد الأسرة وتوفر
الحماية الاستباقية من العنف والانهيار سواء في أوقات الاستقرار أو عند الطلاق
والانفصال. ففيما يخص حق الزوجة في السكن والتأمين بعد الطلاق جاءت التوجيهات
القرآنية حازمة في سورة الطلاق بإلزام الزوج بتوفير المسكن الملائم لمطلقته وعدم
الإضرار بها أو التضييق عليها لإجبارها على الخروج وذلك في قوله تعالى (أسكنوهن من
حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) مما يمنع تشريد النساء ويوفر لهن
حماية مادية ونفسية في أضعف حالاتهن.
أما
حقوق الأطفال في الرضاعة والحضانة والنفقة فقد فصلتها سورة البقرة تفصيلا دقيقا
وعادلا في قوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم
الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف). يؤسس هذا النص لحق الطفل
الأساسي والبيولوجي في التغذية والرعاية السليمة ويضمن حق الأم الحاضنة في النفقة
والكسوة بما يتناسب مع قدرة الأب المادية استنادا لقوله (لا تكلف نفس إلا وسعها)
ليضمن استمرار الرعاية للطفل بعيدا عن استغلاله في النزاعات المالية أو المساومات
بين الأبوين.
كما امتدت مظلة الحماية القرآنية لتشمل اليتامى
بوعيد شديد لمن يعتدي على حقوقهم أو أموالهم وأمرت بالإحسان التام إليهم وكفالتهم
لضمان عدم تعرضهم للتشرد أو الاستغلال في المجتمع. وفي سياق معالجة العصب النفسي
الأعمق الذي يحرك بعض جرائم العنف الأسري المتمثل في ضغط العوز الاقتصادي والخوف
من المستقبل جاء النص القرآني قاطعا بتحريم المساس بحياة الأطفال تحت وطأة هذه
الضغوط في قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم
كان خطئا كبيرا). يضع هذا التأصيل حدا لأي تبرير للعنف بدوافع اليأس المادي ويؤكد
أن حماية الأطفال أمانة وواجب ديني يسبق أي اعتبار دنيوي أو سلطة أبوية.
المولدات الهيكلية تقاطع الكيمياء والاقتصاد
يشكل
الانتشار الوبائي للمخدرات التخليقية وتحديدا مخدر الكريستال ميث تهديدا وجوديا
مباشرا لبنية الأسرة. يعمل الميثامفيتامين البلوري على تحفيز إطلاق كميات هائلة من
الدوبامين مما يخلق نشوة تتبعها أضرار هيكلية وتوليد حالة من الذهان السمي وهلوسات
وميول عدوانية منفلتة. تحت تأثير هذا الاختطاف الكيميائي يفقد المتعاطي السيطرة
على الانفعالات مما يفسر الطبيعة البشعة لجرائم تعذيب الأقارب.
بالتوازي مع ذلك تتفاقم الضغوط الاقتصادية
لتخلق بيئة مشبعة بالتوتر قابلة للانفجار. تظهر البيانات الرسمية بلوغ معدل
البطالة 16.1% بنهاية الربع الرابع من عام 2025 وارتفاعه بين الإناث إلى 34.8%.
هذا الضغط المادي المتواصل يجعل الأسر الهشة أقرب إلى قنابل موقوتة حيث يتحول
القلق من العوز والاحتراق المزدوج إلى نزاعات حادة تفضي إلى التفكك الأسري أو إلى
العنف. ويمتد هذا الاحتراق ليطال النخب كما برز في حوادث انتحار طلبة الطب
والأطباء المقيمين تحت وطأة الضغوط الأكاديمية وغياب منظومات الدعم النفسي الفاعلة
في الجامعات.
البنية التشريعية والدور الإيجابي للوجهاء نحو تكامل عشائري وقانوني
لا
يمكن وضع حلول واقعية وقابلة للتطبيق في المجتمع الأردني دون الفهم العميق
لتركيبته الاجتماعية التي تمثل العشيرة فيها ركنا أساسيا. بدلا من توجيه اللوم
المطلق للتقاليد يجب التأكيد على أن العشائر الأردنية كانت ولا تزال صمام أمان
تاريخي وحاضنة اجتماعية قوية تدافع عن الوطن وتحمي السلم الأهلي. إن الكثير من
شيوخ ووجهاء العشائر يرفضون بشدة التعصب الذي يبرر العنف ويدعون صراحة إلى تهذيب
الأعراف لتتوافق مع الشريعة الإسلامية وسيادة القانون معتبرين أن التضامن العشائري
يجب أن يوجه لخدمة المجتمع وحماية الأرواح البريئة.
لذا
تبرز الحاجة الماسة إلى دمج هذا الثقل العشائري بشكل إيجابي ضمن منظومة حماية
الأسرة وتجاوز العقبات التشريعية المتمثلة في التناقض بين قانون حقوق الطفل لعام
2022 والمادة 62 من قانون العقوبات التي تتيح ضرب التأديب. إن التكامل يتطلب تدريب
وتأهيل الوجهاء وقضاة العشائر ليكونوا خط الدفاع الأول في الكشف المبكر عن
النزاعات الأسرية ذات الخطورة العالية مثل تلك المرتبطة بتعاطي الشبو أو الأمراض
النفسية العميقة وتوجيههم بضرورة إحالة هذه القضايا فورا للمسار القانوني والطبي
المتخصص كإدارة حماية الأسرة بدلا من الاكتفاء بالوساطة المجتمعية التي قد لا تكفي
لمعالجة الخلل الكيميائي أو النفسي العميق.
من ناحية أخرى يقف مبدأ إسقاط الحق الشخصي
كإشكالية تستدعي توافقا مجتمعيا وقانونيا. في الجرائم الأسرية قد يعمد أهل الجاني
وهم غالبا أهل الضحية لإسقاط حقهم مما يخفف العقوبة. وهنا تدعم الأصوات العقلانية
داخل المنظومة العشائرية والتشريعية ضرورة تغليب الحق العام في الجنايات البشعة
الواقعة على الأطفال والنساء لضمان تحقيق الردع العادل الذي يحفظ المجتمع برمته
دون المساس بمبدأ التسامح في القضايا الأقل ضررا.
الممارسات الدولية الفضلى في تقييم النزاعات الأسرية والحضانة
لضمان بناء منظومة حمائية صلبة يمكن للأردن
الاستفادة من النماذج العالمية المتقدمة التي طورت آليات صارمة للوقاية والتدخل.
يتضمن ذلك تأسيس لجان وفرق متخصصة لمراجعة وفيات الأطفال الناتجة عن العنف الأسري
تهدف إلى دراسة وتحليل كل حالة لاستخلاص الدروس وتحديد الثغرات الإجرائية في
المؤسسات ورفع توصيات ملزمة لتغيير السياسات التنظيمية لمنع تكرار الكوارث. كما
يعتمد العديد من الأنظمة القضائية مسارات صارمة تمنح المحاكم صلاحية صريحة لتعيين
خبراء لإجراء تقييم نفسي إلزامي لأي من الوالدين المتنازعين إذا كانت هناك شكوك حول
أهليتهما لرعاية الأطفال مع تغليب سلامة الطفل وحمايته من أي أذى جسدي أو نفسي
بشكل مطلق.
خارطة الطريق الاستراتيجية حلول سيادية ومجتمعية لصانعي القرار
بناء
على التشخيص المنظومي وتناغما مع طبيعة المجتمع الأردني ومبادئ الشريعة نضع أمام
صانعي القرار حزمة متكاملة من الحلول
أولا
التكامل التشريعي والردع الجنائي
1- تطوير المادة 62 من قانون العقوبات عبر العمل على صياغة تعديل
توافقي مدعوم من المؤسسات الدينية يلغي أي تبرير للعنف الجسدي البليغ ضد الأطفال
ويوازن بين حق التربية السليمة وتجريم الإيذاء تفعيلا لروح قانون حقوق الطفل لسنة
2022.
2- تقييد إسقاط الحق
الشخصي في جنايات الأسرة من خلال تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية لتقييد أثر
إسقاط الحق الشخصي في قضايا القتل البشعة داخل الأسرة مع إبقاء الباب مفتوحا للصلح
العشائري في القضايا الجنحية لضمان الردع العام وحماية حق الدولة.
ثانيا
مأسسة الحماية الأسرية وتفعيل الدور المجتمعي
1- تأسيس لجنة وطنية لمراجعة
وفيات العنف الأسري لتكون لجنة عليا مستقلة تقوم بالتحقيق الإداري والاجتماعي
العميق في كل حالة قتل أسري بعد وقوعها لتحديد مواقع الخلل في التنسيق بين مؤسسات
الدولة وتقديم توصيات ملزمة.
2- التقييم النفسي الإلزامي للخصوم تفعيلا لنص المادة 172/أ من
قانون الأحوال الشخصية بإحالة طرفي النزاع في قضايا الحضانة والشقاق المعقدة إلى
مراكز تقييم نفسي متخصصة وعدم تسليم الأطفال لمن تظهر عليهم مؤشرات الاضطراب أو
الانتقام.
3- دمج القضاء العشائري في
منظومة الإنذار المبكر بإطلاق برامج تدريبية لوجهاء العشائر حول كيفية التعرف على
مؤشرات الخطر المحدق ليكونوا شركاء فاعلين في إحالة الحالات لمسارات التدخل الأمني
والطبي.
ثالثا
التدخل الوقائي والدعم النفسي
1- رخصة الوالدية وفحوصات
ما قبل الزواج عبر إدراج فحص الكشف عن المخدرات التخليقية كشرط مسبق لعقود الزواج
وتحويل برامج التأهيل للمقبلين على الزواج إلى متطلب قانوني يشمل التوعية بالمقاصد
القرآنية في قدسية الأسرة.
2- دعم الصحة النفسية المؤسسية بإلزام الجامعات وأماكن العمل ذات
الضغط العالي بإنشاء وحدات دعم نفسي سرية وفعالة لحماية الشباب من خطر الاحتراق
والانتحار.
إن المجتمع الأردني بقيمه العشائرية الأصيلة
ومبادئه الدينية المتجذرة قادر على صد طوفان العنف المتصاعد إذا ما تضافرت جهود
مؤسساته الرسمية والمجتمعية. لم يعد كافيا الاكتفاء بردود الفعل الأمنية بعد وقوع
الكارثة بل يجب استثمار كافة الأدوات التشريعية والعلمية والمجتمعية لحماية
الأرواح إيمانا بأن بناء الأسرة الآمنة هو خط الدفاع الأول عن أمن الوطن
واستقراره.




