شريط الأخبار
قائدنا أبا الحسين. .. الاردن بخير... التوحد بين الحق الإنساني والوعي المجتمعي...قرأءة فكرية للدكتورة سارة طالب السهيل الشيخ محمود جراد النعيمات : العلم يمثل أمانة في أعناق كل فرد من أبناء الوطن..فيديو نتنياهو: نريد إزالة اليورانيوم المخصب من إيران واشنطن: نجري مناقشات بشأن إجراء مفاوضات جديدة مع إيران إيران تقترح عبور السفن في هرمز من جهة عُمان دون مهاجمتها الأمير الحسن: أرقام الضحايا في غزة تعكس أزمة إنسان يُعاد تشكيل حياته عطية: الانتهاكات الإسرائيلية لا تقتصر على غزة بل تمتد إلى الضفة والقدس الهيئة العامة لمساهمي بنك القاهرة عمان العادية تقر نتائج أعمال البنك لعام 2025 وتقرر توزيع أرباح نقدية على المساهمين بنسبة 7% في يوم العلم الأردني… تحية مجد وعزه وفخر عقب وفاة صادمة لمراهقة .. تحذيرات هامة من مضاعفات صحية خطيرة لمشروبات الطاقة بينهم أطفال .. 9 قتلى و13 جريحًا بإطلاق نار داخل مدرسة في تركيا في كتاب أمريكا ضد أمريكا يقدم ونغ هونينغ قراءةً للمجتمع الأمريكي... مستشار جلالة الملك البلوي يلتقي عدداً من شيوخ و وجهاء العشائر من مختلف أنحاء الاردن ..فيديو وصور أردوغان لتل أبيب: أذكر قتلة الأطفال بأن لا أحد يمكنه أن يهدد تركيا ورئيسها! مسؤول إسرائيلي كبير ينفي قرارا بشأن وقف إطلاق النار في لبنان قائد الجيش الباكستاني يصل إلى العاصمة الإيرانية طهران آل نهيان: الإمارات تواصل تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الأردن استطلاع: ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية تحافظ على مستويات مرتفعة استطلاع: أكثر من نصف الأردنيين يعتقدون أن الأمور تسير بالاتجاه الإيجابي

البتراء نحو مختبر ابتكار سياحي مستدام

البتراء نحو مختبر ابتكار سياحي مستدام
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

تواجه البتراء لحظة مفصلية تفرض الانتقال من إدارة التدفق السياحي إلى صناعة الطلب السياحي من داخل المنظومة المحلية، بحيث لا تبقى الحركة مرهونة بالمتغيرات الجيوسياسية، بل تنبني على نموذج تشغيلي مرن منخفض الكلفة وعالي الكفاءة. وتُظهر التجارب الدولية أن الوجهات الأكثر صمودًا هي تلك التي أعادت ترتيب أولوياتها داخليًا، فطوّرت منتجها، ورفعت كفاءة تشغيله، وربطت المجتمع المحلي مباشرة بسلاسل القيمة السياحية.

ينبغي الانطلاق من خطة متدرجة قابلة للتنفيذ ضمن موازنات الإقليم والمفوضية، تقوم أولًا على تعظيم الاستفادة من الأصول القائمة بدل التوسع الرأسمالي المكلف. ففي المدى القصير، يمكن إعادة هندسة تجربة الزائر عبر تحسين إدارة التدفق داخل الموقع، وتوزيع المسارات السياحية بطريقة تقلل الازدحام وتطيل مدة الزيارة، مع تفعيل نقاط توقف ذكية تقدم خدمات إرشاد وتفسير سياحي رقمي باستخدام تطبيقات منخفضة الكلفة تعتمد على الهواتف الذكية والرموز التفاعلية. ويسهم ذلك في رفع رضا الزائر دون استثمارات إنشائية كبيرة.

كما يمكن تفعيل ما يمكن تسميته "اقتصاد الليلة السياحية” في البتراء، من خلال توسيع الأنشطة المسائية منخفضة الكلفة، مثل العروض الثقافية المحلية، ومسارات الإضاءة الخفيفة الصديقة للبيئة، وتجارب السرد التراثي الحي، بما يرفع معدل الإشغال الفندقي ويزيد متوسط الإنفاق اليومي. وتعتمد هذه المبادرات على إشراك المجتمع المحلي، ما يخلق دخلًا مباشرًا ويعزز استدامة النشاط.

وفي الإطار ذاته، تمثّل إعادة تنظيم منظومة الضيافة خطوة جوهرية، عبر ربط الفنادق القائمة ببرامج تشغيل مشتركة تعتمد على إدارة العائد (Revenue Management)، وتوحيد منصات الحجز والتسويق الرقمي، بما يرفع نسب الإشغال دون الحاجة إلى إنشاء فنادق جديدة. ويمكن للمفوضية أن تلعب دور المنسق عبر منصة رقمية موحدة منخفضة الكلفة، تجمع مرافق الإقامة وتربطها بخدمات النقل والأنشطة.

أما في المدى المتوسط، فيبرز دور الذراع الاستثماري التطويري كأداة مرنة لإدارة المشاريع دون أعباء بيروقراطية، بحيث يُعاد توجيه الموارد البشرية والمالية القائمة لتأسيس كيان قادر على تطوير فرص استثمارية صغيرة ومتوسطة، مثل النُزل البيئية، ومراكز التجارب الثقافية، ومشاريع الخدمات اللوجستية السياحية. ويتيح هذا النهج تحفيز الاستثمار التدريجي بدل المشاريع الضخمة عالية المخاطر.

وفي هذا السياق، يمكن إعادة طرح مشروع قصر المؤتمرات برؤية تشغيلية مختلفة، تقوم على مراحل تبدأ بتجهيز مرافق مرنة لاستضافة الفعاليات الصغيرة والمتوسطة، بالتوازي مع استقطاب مؤتمرات متخصصة في الآثار والاستدامة، ما يضمن تدفقات سياحية مستقرة ويعزز إشغال الفنادق خارج المواسم التقليدية، دون الحاجة إلى ضخ استثمارات كبيرة دفعة واحدة.

كما يُعد التخطيط العمراني التدريجي أداة فعالة لدعم القطاع، من خلال فتح تنظيم محدود ومدروس، وربطه مباشرة بالطلب السياحي، مع استخدام الإمكانات الوطنية في شق الطرق والبنية التحتية الأساسية، بما يخفض الكلف ويخلق بيئة جاذبة للاستثمار المحلي. ويُسهم ذلك في بناء منظومة خدمات متكاملة حول الموقع الأثري دون الإخلال بتوازنه البيئي.

وفي المدى الأبعد، يصبح من الضروري إعادة تموضع البتراء عالميًا كمنصة معرفية وثقافية، عبر تطوير برامج تعليمية وتدريبية تطبيقية تستقطب الباحثين والطلبة الدوليين، وتحوّل الموقع إلى مختبر حي للدراسات الأثرية والسياحية. ويُعد هذا التوجه من أقل النماذج تأثرًا بالتقلبات السياسية، نظرًا لاعتماده على الطلب الأكاديمي المستقر.

وتتكامل هذه الرؤية مع تبني أدوات تمويل مرنة منخفضة المخاطر، تركز على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالقطاع، بما يعزز مشاركة المجتمع المحلي ويزيد من دوران رأس المال داخل الإقليم. ويوازي ذلك ضرورة بناء نظام متابعة وتقييم يعتمد على مؤشرات أداء واضحة، تقيس نسب الإشغال، ومتوسط مدة الإقامة، والعائد الاقتصادي، لضمان كفاءة التنفيذ.

كما يكتسب البعد اللوجستي أهمية متزايدة، إذ يتطلب تحسين الربط مع المطارات، وتطوير خدمات النقل السياحي، وتسهيل إجراءات الوصول، وتحديث أنظمة الحجز والتذاكر، بما يرفع كفاءة تجربة السفر ككل. ويمكن تحقيق ذلك تدريجيًا عبر شراكات تشغيلية دون تحميل الموازنة أعباء إضافية.

ولا يكتمل هذا التحول دون إدارة استباقية للمخاطر، من خلال تطوير قواعد بيانات مكانية للمخاطر الطبيعية، وربطها بخطط تشغيلية مرنة تضمن استمرارية النشاط السياحي في مختلف الظروف، وتعزز ثقة الأسواق الدولية.

إن البتراء لا تحتاج إلى إنفاق أكبر بقدر ما تحتاج إلى إدارة أذكى، تُحسن توظيف مواردها، وتُعيد تصميم تجربتها السياحية، وتبني نموذجًا تشغيليًا متدرجًا قادرًا على النمو من الداخل. وعندها فقط، تتحول من وجهة تنتظر الزوار إلى منظومة تُنتج أسباب زيارتها، وتستقطبهم باستمرار، مهما تبدّلت الظروف.