كابتن أسامة شقمان
يجب أن نتوقف فوراً عن التشكيك في موقف الوطن مما يجري اليوم. يجب أن يتوقف هذا الجدل الذي يضع الأردن في موضع الاتهام أو التأويل. موقفنا واضح ولا يحتمل الالتباس: نحن لا نريد أن نكون طرفاً في هذا الصراع، ولن نكون.
بصفتي طياراً متقاعداً، أمضيت سنوات طويلة في قراءة السماء وفهم ما يجري فيها بدقة، أجد نفسي اليوم أمام مشهد لا يمكن اختزاله في تحليلات سياسية أو مزايدات إعلامية. ما يحدث ليس مجرد حدث عابر، بل اختبار حقيقي لمفهوم السيادة، ولمدى قدرتنا على التمييز بين الموقف الوطني الواضح وبين الضجيج الذي يحاول تشويهه.
أنا لا أؤمن بالحروب، ولم أؤمن بها يوماً. الحروب فشل ذريع للسياسة والعقل، وخسارة جماعية لا يخرج منها أحد منتصراً. لكن رفض الحرب لا يعني الاستسلام، ولا يعني القبول بالاعتداء، ولا يبرر الصمت عندما تُمس سيادة بلدي.
ومن موقع الخبرة، أقولها بوضوح لا يقبل الجدل: المجال الجوي ليس مساحة مفتوحة للتخمين أو التفسيرات. كل حركة فيه محسوبة، وكل جسم طائر له مسار وهدف، وكل اعتراض دفاعي هو رد مباشر على تهديد قائم. هذه ليست آراء، بل حقائق مهنية يعرفها كل من عمل في هذا المجال. وبالتالي، عندما يتعامل الأردن مع أي تهديد داخل مجاله الجوي، فهو يمارس حقه الطبيعي والبديهي في الدفاع عن نفسه، لا أكثر ولا أقل.
لقد زرت إيران في مراحل مختلفة، وهبطت في طهران وشيراز ومشهد، ورأيت شعباً يستحق الأمن والاستقرار مثل باقي شعوب المنطقة. ولهذا تحديداً، فإن محاولة تحميل الأردن مواقف أو أدوار لم يقم بها، أو الزج باسمه في روايات غير دقيقة، أمر مرفوض جملة وتفصيلاً. العلاقات بين الدول لا تُبنى على الافتراضات ولا على تصدير الأزمات.
الأردن لم يكن يوماً دولة تبحث عن صراع، ولم يسعَ إلى لعب أدوار خارج حدوده. لكنه أيضاً ليس دولة تُساوَم على سيادتها، ولا يقبل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لرسائل لا تعنيه.
ما نرفضه اليوم ليس فقط أي تهديد مباشر أو غير مباشر، بل نرفض أيضاً هذا الخطاب الذي يخلط بين الدفاع المشروع والاتهام، وبين الحقيقة والتأويل السياسي. هذا الخلط خطير، لأنه لا يؤدي إلا إلى تأجيج التوتر، ودفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد الذي لا يخدم أحداً.
الانتماء الحقيقي لا يظهر في الشعارات، بل في لحظات الالتباس. وفي هذه اللحظة تحديداً، يجب أن يكون الموقف واضحاً وصريحاً: نحن ضد الحرب، ضد التصعيد، ضد الفوضى… لكننا مع الأردن، دون تردد ودون مواربة.
مع حقه الكامل في الدفاع عن نفسه.
مع حقه في حماية سيادته.
ومع حقه في أن يُعامل باحترام، لا أن يُزج به في روايات لا تعكس الحقيقة.
الوطن ليس وجهة نظر، وليس خياراً سياسياً قابلاً للنقاش.
الوطن حقيقة ثابتة… والسيادة خط أحمر لا يقبل التشكيك ولا المساومة.



