السلطة بين الإنقلاب والتصويب...
القلعة نيوز -
السلطة وتصويب السلطة، أو فرض السيطرة عليها أو السعي إليها، بين المذهب العلمي أو فكر الجماعات الإسلامية وحتى غير الإسلامية، كان فتنة عظيمة. وهل يقع ذلك ضمن سنة "التدافع" بين البشر؟ ممكن، وضمن إبقاء البشرية في حالة حركة مستمرة؛ هذه مسألة أخرى، ولكننا لا نَحكُم السنن، بل السنن هي التي تحكمنا.
هل يعاني المواطن العربي أو المسلم من أزمة في سياسة الحكم ، أو اضطراب في المفاهيم؟ حقيقةً، المسلم ليس لديه أزمة حكم ولا نظام حكم ولا أزمة مفاهيم في المجمل وفي الكليات. وليس لديه أزمة وجود، ولا أزمة حياة، ولا أزمة في فهم الموت، ولا أزمة في فهم الحساب -من حيث الإيمان طبعاً-. فهل الحقيقة أن معظم مشاكلنا في عالمنا العربي والإسلامي، وما يحدث من اضطرابات وقلاقل، ناتج عن تلك الطائفة التي تبحث عن الذات، مما ينبئ عن خلل كبير في اتجاه البوصلة عند هذه الفئة؟ مع أن المفاهيم -كما قلت- واضحة للمعظم، ولكننا نعلق في الولاءات والتفاصيل والتطبيق. والبعض لديه خلل واضح أكبر هنا؛ فمن أجل مصلحة أو شهوة أو حقد أو كره، قد يتحالف مع عدوه أو مع دولة ضد وطنه أو ضد أمته ودينه، وقد يسرق ويقتل ويساهم في جلب ميليشيات من خارج وطنه للمساهمة في احتلالها وإخضاعها لطرف ثالث، كما حدث ويحدث في السودان وليبيا وسوريا وغيرها.
وهذا الحال كان موجوداً وسيبقى، وهو حال الأمم دائماً؛ فهناك طابور خامس أو سادس -سمِّهِ ما شئت- وهناك من يحمل مجموعة من الأفكار والعقائد لكنه لا يعرف كيف يُنزلها على أرض الواقع، ولا يدرك الحد بين ما يجب عليه قوله أو فعله وما لا يجب، وما هي واجباته تجاه مبدئه ودينه وأخلاقه ووطنه، وما هي الواجبات المطلوبة تجاه الأمة، وأين تتقاطع المسارات بينه وبين الآخر وبين الوطن والأمة. وهنا "علق" الكثيرون، وهذه كالأمراض التي تصيب الجسد؛ فهي تنتظر جرحاً هنا أو ضعفاً في المناعة هناك، أو قلة في الغذاء، لتهاجم الجسد فتنال منه. هي جراثيم موجودة دائماً، ولكن لا يظهر خطرها إلا إذا أصاب الأمة الضعف والمرض والوهن.
وهنا نعود إلى الضعف في بناء الأمة العقدي والفكري والجسدي على مستوى الفرد أو الجماعة، وكيف يساعد أعداءها ويفتح لهم المجال للسيطرة عليها، أو يفسح المجال لأمراض الأفكار والأخلاق التي تصيب المجتمعات أن تصيبها. وما أكثر الأمراض التي تصيب المجتمعات والأمم والأوطان والأفراد، وهذه مباحث قائمة بذاتها؛ فكل مجتمع يحتوي على مجموعة من الأزمات والأمراض "الجاهزة" التي تنتظر لحظة ضعف للهجوم عليه، أو وهنٍ للنيل منه، ولقد أدركنا ما الوهن. هل تبدأ الكارثة إذاً في المجتمع عندما يبدأ البحث عن "الذات" الفردية، وتلك المساحة التي تظن أنها لك وسلبها منك أشخاص آخرون؟ وهنا نعود إلى مفهوم بسيط، هو مفهوم "القبيلة" سابقاً وقدرتها على حماية نفسها وأرضها وأنعامها، وهذا لا يتحقق لها إلا إذا كان هناك مجموعة من الأفراد لديهم القدرة على التضحية بالنفس والمال والجهد في سبيل حمايتها. أما إذا كانت الأنانية والفردانية والسعي للسلطة موجودة عند كل واحد من أفرادها، فعندها ينتهي أمرها قبل أن يبدأ، وتصبح لقمة سائغة للقبائل حولها.
وفي الأوطان والأمم، إذا سعت كل مجموعة أو طائفة للسلطة، عندها يصبح "الانقلاب" هو الوضع الطبيعي في هذا المجتمع، ويفقد اتزانه واستقراره. ورأينا كيف دخلت الدول العربية في بداية هذا القرن في سلاسل لا تنتهي من الانقلابات والسعي للسلطة، وكيف أن الثورات الكبرى التي بدأت في القرن الأول الهجري انتهت إلى مقتلة عظيمة ولم تحقق الهدف، حسب ما أشار لذلك الباحث في الشؤون السياسية محمد المختار الشنقيطي.
وكيف أن التنافس مع السلطة وعلى السلطة لأسباب مختلفة هو من باب الفتن التي تصيب المجتمعات. وهنا لا نريد أن نصنع من الأمة "خرافاً" طبعاً، ولكننا لا نريدهم في المقابل "ذئاباً منفردة" لا تجتمع على هدف. وبين هذه وهذه، تكمن صناعة الإنسان القادر على الانخراط فيما يعود على الوطن والأمة بالخير، ويمتنع -حتى لو دفع حياته ثمناً- عن الانخراط في أي فعل لا يعود على الأمة والوطن بالخير.
ومن لم يتبنَّ الإسلام، أو حتى التعايش والتقبل والسعي للاستقرار منهجاً، فهذا لديه أزمات متعددة. ومن لديه مشكلة في التطبيق فهو والآخرون حوله في أزمة، وبين الفهم والتطبيق قصة كاملة؛ فمنهم طائفة بخلل في الفهم والإيمان والتصور، وطائفة بخلل في التطبيق. وهنا وقفة مع الحسين رضي الله عنه -ليس تقييماً ولا من باب الحلال والحرام- ولكن مع فعله الذي انتهى بمقتلة عظيمة وفتنة، ولم يستطع أن يحصل على السلطة، ولم يخرجه ذلك من كونه من "سادة شباب أهل الجنة" (وهذا مبحث منفصل)، ولكن هذه الفتن التي حدثت بين الصحابة كان لها نتائجها ودفع البعض حياته ثمناً لها. وهذه الفتنة قائمة على طرفين كما نعلم، ولسنا هنا في موطن الخوض فيها وتقييم الصائب من الخاطئ. ولكن مع هذا، فإن التفضيل جاء للحسن رضي الله عنه بصفة لم ينلها الحسين، في صورة حديث للرسول صلى الله عليه وسلم: *«إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»* [رواه البخاري]. وهذا ما حدث؛ الإصلاح والتوفيق وجمع الكلمة. فهل جمع الكلمة -حتى مع وجود السلطة المتغلبة- هو الهدف؟
وهل هو طريق استقرار الأمة؟ وهل "الجماعة" هدف بحد ذاتها رغم ما يصيبها من أمراض وفساد وظلم؟ هذا ما أجده مبثوثاً في التاريخ والأديان وعلم الاجتماع وعلم النفس؛ كيف تنهض الحضارات وتسقط. إذا كانت الأمة مقدمة على الجماعة، والجماعة مقدمة على الفرد، تتحقق المصلحة للجميع. وحتى نستطيع توظيف السنن بما يعود على الأمة بالخير، لا بد من فهمها فهماً علمياً ومعرفة سبل تطبيقها للوصول إلى الاستفادة القصوى منها، وهذا ما نجح الغرب فيه رغم انحراف أخلاقه وأهدافه، لكنه استطاع توظيف هذه السنن لصالحه. وبين فئة تسعى لإحقاق الحق بنظرها (أو بحثاً عن السلطة في رأي آخر)، وفئة أخرى تدافع عما حازته سواء بالخيار أو الجبر، تصبح المسألة بحاجة إلى الحكمة والمعرفة والتوظيف، والخوف من مخالفة الشرع من جهة، أو الإضرار بمصالح الأوطان والجماعات من جهة أخرى، أو الخوف من الوقوع في الفتن.
هل المهام المستحيلة التي تدخل الأمم في فتن ومقتلة عظيمة مقبولة أم غير مقبولة؟ ومتى يكون مقبولاً الخروج على الحاكم ومتى لا يكون؟ ومتى يكون هو "آخر الإصلاحات" الممكنة للمجتمعات كما يتخيله الكثيرون؟ وهؤلاء بنظري لم يجربوا حقاً أن يجدوا طريقاً آخر للتعايش والتصالح والفوز المشترك، بل طغت على أدمغتهم هذه الفكرة أو "الأدبية"، وظنوا أنه من الممكن الوصول إليها ما دامت الشعوب تسعى للإسلام. ولكن حقيقة ما جرى على الأرض الإسلامية يستوجب بحثاً أكثر عمقاً؛ فكما قلنا لم تنجح الثورات الخمس الكبرى في الوصول إلى تغيير الحكم، سواء من مجتمع المدينة أو القراء والعلماء وغيرهم، وحدثت مقتلة ذهب فيها الآلاف من الصحابة والتابعين بسيوف إسلامية. وهنا لا أتكلم من وجهة نظر فقهية فلست فقيهاً، ولكن أتكلم من باب الفكرة والممكن والتاريخ والاجتماع، ويبقى حساب هذه الفئة على خالقها فهو الأعلم بالسرائر. وهل كان الفعل يخالف الشرع والمصلحة ويوقع الضرر بالآخرين؟ لقد وقع خلاف عظيم بين العلماء والمصلحين والمفكرين هنا، حيث تتقاطع المصالح والقوى والجماعات.
وتحدث فتن تذهب بكل شيء وتصيب الجميع بشررها ونارها؛ فهل ننجح جميعاً -حكاماً ومحكومين- في الوصول إلى توليفة تحفظ للأوطان بيضتها واستقرارها، وتحقق العدالة والمساواة بين أفرادها، وتنزع فتيل الفتن قبل أن تذهب بالجميع، وتستطيع أن توحد المسلمين على اختلاف مواقعهم وأوطانهم على مصلحة عليا وهدف أسمى، يعيد للأمة والأوطان هيبتها في ظل هذه التجاذبات العالمية القاسية التي لا ترحم ضعيفاً ولا امرأة ولا طفلاً ولا مسناً؟
وكيف أن حرص البعض على "الحياة" (بمعناها الضيق) هو حرمان للجميع من الحياة الكريمة.
إبراهيم أبو حويله...




