القلعة نيوز:
د. حاكم المحاميد*
في لحظة إقليمية فاصلة، تتكاثف فيها التحديات وتتشابك فيها المشاريع، تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى المملكة العربية السعودية، ولقاؤه مع سمو الأمير محمد بن سلمان، بوصفها أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عابرة؛ إنها تعبير عميق عن إدراك عربي متنام بأن لحظة المواجهة مع التهديدات المحيطة لم تعد تحتمل التردد أو التجزئة، وأن وحدة الصف لم تعد خيارا سياسيا فحسب، بل ضرورة وجودية.
لقد دأب جلالة الملك عبدالله الثاني، في مختلف المحافل الدولية والإقليمية، على التحذير من تمدد المشاريع التي تستهدف تفكيك البنية العربية، سواء عبر تغذية الصراعات الداخلية، أو عبر فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تتجاوز إرادة الشعوب والدول. وفي هذا السياق، تبدو زيارته إلى الرياض استمرار لنهج يقوم على بناء جبهة عربية واعية، قادرة على قراءة المشهد بعمق، والتحرك بإرادة جماعية لا تقبل الاختراق.
إن الاستقبال الحار الذي حظي به جلالته من قبل الأمير محمد بن سلمان لا يمكن قراءته في إطار البروتوكول وحده، بل هو رسالة سياسية ذات دلالات واضحة، تؤكد أن هناك توافقا متقدما بين القيادتين على طبيعة التحديات، وعلى ضرورة صياغة موقف عربي حازم في مواجهتها. فالمخاطر التي تتهدد المنطقة لم تعد خافية، سواء تلك المرتبطة بالمشروع الصهيوني الذي يسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد يقوم على الهيمنة والتوسع، أو المشروع الإيراني الذي يعمل بأدوات متعددة، على اختراق الجغرافيا العربية وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالحه.
غير أن ما يميز هذه اللحظة هو أن الوعي العربي بهذه المخاطر لم يعد حبيس الخطاب، بل بدأ يتحول إلى فعل سياسي ملموس، تترجمه اللقاءات الثنائية، والتنسيق المتنامي، والسعي إلى بناء مقاربات مشتركة تعيد الاعتبار لفكرة العمل العربي المشترك. ومن هنا، فإن لقاء عمان والرياض، في رمزيته السياسية، يعكس إدراكا بأن التحديات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها إلا بإرادة عابرة للحدود أيضا.
ولعل الأهم في هذا المشهد هو أن هذا التقارب لا يقوم على ردود فعل آنية، بل على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تدرك أن حماية الأمن القومي العربي تبدأ من تعزيز مناعته الداخلية، وتحصين مجتمعاته، وبناء شراكات حقيقية بين دوله. فالوحدة هنا ليست شعارا، بل منظومة عمل تتطلب تنسيقا في السياسات، وتكاملا في الأدوار، وثقة متبادلة تترجم إلى مواقف واضحة في مواجهة التحديات.
إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى السعودية، وما رافقها من حفاوة في الاستقبال ووضوح في الرسائل، تؤكد أن العالم العربي، رغم كل ما مر به من أزمات، لا يزال قادرا على إعادة إنتاج ذاته، وعلى استعادة زمام المبادرة حين تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الواضحة. وهي، في الوقت ذاته، تذكير بأن التاريخ لا يرحم المترددين، وأن اللحظات المفصلية تكتب بأفعال القادة الذين يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
وفي ظل هذا المشهد، يمكن القول إن ما يجمع عمان والرياض اليوم يتجاوز حدود التنسيق السياسي، ليصل إلى مستوى الشراكة في صياغة مستقبل عربي أكثر تماسكا وقدرة على مواجهة التحديات. إنها جبهة وعي قبل أن تكون جبهة موقف، وجبهة إدراك قبل أن تكون جبهة صدام، وهو ما يمنحها القدرة على الاستمرار والتأثير.
لذلك، لا تبدو هذه الزيارة حدثا عابرا في سجل العلاقات الثنائية، بل محطة مضيئة في مسار إعادة بناء الفعل العربي المشترك، على أسس من الوحدة الحقيقية، والتضامن الواعي، والإرادة الصلبة في مواجهة كل ما يهدد استقرار هذه الأمة ومستقبلها.
*محافظ سابق




