القلعة نيوز: الدكتور صالح العرود
تشهد المنطقة اليوم مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحروب مع التحولات السياسية، بحيث لم تعد الصراعات مجرد مواجهات عسكرية، بل أدوات لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتعرض القضية الفلسطينية لخطر التهميش، نتيجة انشغال الأطراف الإقليمية بأولوياتها الخاصة، وتراجع الفعل العربي الجماعي، ما يفتح المجال أمام فرض وقائع جديدة على الأرض.
في هذا السياق، تبرز التحركات الأردنية، بقيادة الملك عبدالله الثاني، كجزء من رؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة ضبط التوازن الإقليمي. فزيارة جلالته إلى السعودية، ولقاؤه في قمة ثلاثية مع أمير قطر ومحمد بن سلمان، بعد جولة واسعة شملت دول الخليج العربي، لا يمكن فهمها كتحرك دبلوماسي اعتيادي، بل كمؤشر على محاولة أردنية لإعادة تشكيل شبكة القرار العربي، وخلق توازنات جديدة تمنع انفراد أي طرف إقليمي برسم ملامح المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
يدرك الأردن أن أمن الخليج لم يعد منفصلًا عن استقرار المشرق العربي، وأن أي خلل في هذه المعادلة سينعكس على الجميع. ومن هنا، يتحرك ضمن مقاربة تقوم على الربط بين الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية، باعتبارها عنصرًا مركزيًا في استقرار المنطقة، وليس مجرد ملف سياسي قابل للتأجيل.
كما يسعى الأردن إلى بناء نمط جديد من التحالفات العربية، يقوم على التكامل السياسي والاقتصادي والأمني، بعيدًا عن الأطر التقليدية التي أثبتت محدوديتها. هذه التحالفات لا تكتفي بردّ الفعل، بل تهدف إلى خلق توازن يمنع أي طرف إقليمي من فرض واقع أحادي، سواء عبر القوة أو عبر استغلال الانقسامات العربية.
الدور الأردني هنا يتجاوز الوساطة إلى مستوى التأثير في صناعة القرار. فهو يعمل على ربط ملفات متعددة: من أمن الخليج، إلى استقرار المشرق، وصولًا إلى حماية الحقوق الفلسطينية. وهذا الربط يمنح الأردن موقعًا متقدمًا كفاعل سياسي قادر على التأثير، لا مجرد متابع للأحداث.
في المحصلة، تمثل الحرب الإقليمية اختبارًا حقيقيًا لقدرة العرب على استعادة زمام المبادرة. وفي هذا الإطار، تضع التحركات الأردنية المملكة في قلب معادلة جديدة، عنوانها: إعادة التوازن، حماية القضية الفلسطينية، وبناء منظومة عربية أكثر تماسكًا، قادرة على مواجهة التحديات وفرض الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.




