عندما تتجه الإدارة للترقية لا للتنمية.
القلعة نيوز:
في البادية، لا تكون الأرض مجرد ترابٍ يُزرع،
بل تكون ذاكرةً تُحفظ،
وتاريخاً يُورَّث،
وحياةً تُبنى على حبات الرمل كما تُبنى المدن على الحجر.
وفي القطرانة…
لا يعرف الناس الأرض من خرائط الدوائر الرسمية،
بل يعرفونها من آثار أقدام آبائهم،
ومن مجاري السيول التي حفروها بأيديهم،
ومن السدود الترابية التي شيدوها ليحفظوا للمواشي حياة،
وللبيوت خبزاً،
وللأبناء أملاً.
لكن ما يحدث اليوم،
ليس مجرد قرار إداري،
ولا مشروع تنموي أخطأ طريقه،
بل حالة من التوسع تحت مظلة القانون،
تتقدم فيها المشاريع الورقية،
وتتراجع أمامها حقوق الناس الذين عمّروا الأرض قبل أن تُكتب التقارير،
وقبل أن تُرسم الخطط خلف المكاتب المكيفة.
لقد جاءت المشاريع تحت عنوانٍ جميل:
"التنمية"
"الغطاء النباتي"
"الزراعة الحرجية"
وما أجمل هذه العناوين…
لو أنها قامت على دراسة حقيقية،
أو فهم لطبيعة الأرض،
أو إدراك لحقيقة المطر الذي يزور المنطقة على استحياء،
ثم يغادر تاركاً الأرض عطشى تنتظر موسماً آخر.
كيف تُزرع الأشجار الحرجية في أرضٍ تعرف العطش أكثر مما تعرف المطر؟
كيف يُقام مشروع بلا مصدر ري مستدام؟
وكيف تتحول التنمية إلى تجربةٍ تُقام على حساب الأرض،
ثم تُترك لتذبل…
وتبقى آثار الفشل شاهدة على قرارٍ لم يُحسن قراءة الجغرافيا؟
لقد كانت النتيجة واضحة قبل أن تبدأ…
مشاريع تُزرع لتفشل،
وأراضٍ تُحجز لتُترك،
وأهالٍ يُمنعون من أرضهم،
باسم القانون… لا باسم العدالة.
وفي الوادي الأبيض،
تتجلى القصة بصورةٍ أكثر إيلاماً…
حيث تقف بركة الفوسفات،
التي تتسع لأكثر من سبعة ملايين متر مكعب من المياه،
كأنها فرصة تنموية عظيمة،
كان يمكن أن تتحول إلى واحاتٍ خضراء،
ومصدر رزقٍ كريم لأبناء المنطقة.
لكن الأهالي مُنعوا من زراعة الخضراوات،
بحجة مشاريع الزراعة المحورية للأعلاف،
ثم… فشل المشروع.
فشلٌ لم يكن مفاجئاً لأبناء الأرض،
الذين يعرفون طبيعة المياه،
ويعرفون أن العوالق الترابية ستغلق المرشات،
ويعرفون أن الأرض لا تُدار بالتجارب،
بل بالفهم المتراكم عبر السنين.
فشلت المشاريع…
لكن من يدفع ثمن الفشل؟
ليس صاحب القرار…
بل صاحب الأرض.
ليس من كتب التقرير…
بل من حُرم من رزقه.
ولم يكن ذلك مجرد فشلٍ إداري،
بل تعدٍّ صارخ على حقوق الناس،
الذين كانوا يحرثون الأرض،
ويبنون السدود الترابية،
ويدعمون مواشيهم،
ويصنعون من القليل حياةً كريمة.
واليوم…
ومع انحسار الوظائف،
لم يجد الناس سوى أرضهم،
الملاذ الأخير،
والباب الذي لا يُغلق،
لكن حتى هذا الباب…
بات مهدداً.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بحرمان الناس من أرضهم،
ولا تُبنى على إقصاء أهل المكان،
بل تقوم على الشراكة معهم،
والاستفادة من خبرتهم،
والانطلاق من احتياجاتهم الحقيقية،
لا من تقارير تُكتب لأجل الترقية الإدارية،
ولا لمشاريع تُزرع لتُذكر في السجلات… ثم تُترك لتذبل.
الأرض التي عمّرها الأهالي،
ليست أرضاً مهجورة،
وليست أرضاً بلا تاريخ،
بل هي أرضٌ سُقيت بالعرق،
وحُفظت بالصبر،
وبُنيت عليها حياة أجيال.
ومن المؤلم…
أن تتحول القوانين التي وُجدت لحماية الناس،
إلى أدواتٍ تُستخدم لانتزاع الأرض منهم،
باسم التنمية…
بينما التنمية الحقيقية تقف بعيداً،
تنتظر من يراها بعيون الناس،
لا بعيون الملفات.
إن ما يحدث اليوم،
ليس مجرد قضية أراضٍ،
بل قضية كرامة،
وقضية حق،
وقضية بقاء.
فالذي يفقد أرضه،
لا يفقد مصدر رزقه فقط،
بل يفقد جزءاً من هويته،
وجزءاً من ذاكرته،
وجزءاً من مستقبله.
وأبناء القطرانة…
لم يكونوا يوماً عائقاً أمام التنمية،
بل كانوا دائماً صناعها الحقيقيين،
لكنهم يريدون تنميةً تنبت من أرضهم،
لا مشاريع تُفرض عليهم،
ثم تُترك آثارها كندوبٍ في وجه الأرض.
إن الضمير الوطني اليوم،
مدعو لأن يصحو،
والصوت الأهلي مدعو لأن يرتفع،
لا رفضاً للتنمية،
بل دفاعاً عن تنميةٍ حقيقية،
لا تُقصي الناس،
ولا تنتزع الأرض،
ولا تكرر الفشل.
فالأرض التي عاش عليها الآباء،
ينبغي أن تبقى للأبناء،
والتنمية التي لا تحفظ حقوق أهل الأرض…
ليست تنمية،
بل عبءٌ جديد
يُضاف إلى ذاكرةٍ مثقلةٍ بالانتظار.
وفي القطرانة اليوم…
الأرض لا تطلب أكثر من أن تبقى لأهلها،
والناس لا يطلبون أكثر من حقهم،
والحكاية كلها…
أن تُترك الأرض لمن يعرف كيف يزرعها،
وكيف يحميها،
وكيف يصنع من صحرائها… حياة.




