د محمد عبد الحميد الرمامنه
في مدينة السلط، تبدو تكية السلط نافذة مفتوحة على ذاكرة مدينة كاملة، تتقاطع فيها روح المكان مع روح الفعل الإنساني. ففي هذه المدينة التي تتدرج بيوتها الحجرية على التلال، ويتعانق تاريخها مع حاضرها، يتحول تقديم الوجبات إلى مشهد يتجاوز الإطعام إلى المعنى، ويتجاوز الحضور إلى الانتماء.
السلط، التي شكّلت عبر تاريخها إحدى أهم الحواضر الأردنية، لم تكن يومًا هامشًا في السردية الوطنية، وانما كانت مركزًا مبكرًا للتجارة والتبادل الاجتماعي والثقافي، وبيئة تشكلت فيها قيم الجوار والتكافل والتواد، حتى أصبح المجتمع فيها أكثر التصاقًا بروح المشاركة والمسؤولية. ومن هنا، تبدو تكية السلط امتدادًا حيًا لذاكرة قديمة تعيد إنتاج نفسها بأدوات معاصرة، في انسجام مع القيم الإسلامية التي جعلت من الرحمة والتكافل ركيزة للعلاقة بين الناس.
في هذا السياق، لا تكون موائد التكية مجرد فعل إطعام، بل لحظة تساوٍ رمزي تُذيب الفوارق الاجتماعية ، وتعيد ترتيب العلاقة بين الفرد ومجتمعه على أساس المشاركة. هنا يصبح الخبز المشترك لغة اجتماعية، وتصبح المائدة مساحة لإعادة تعريف معنى القرب الإنساني.
لكن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تقف عند بعدها الخيري أو الرمزي، بل تمتد إلى سؤال أعمق: كيف يتحول الفعل الخيري إلى بنية اجتماعية منتجة؟ فالمجتمع المعاصر يحتاج إلى مبادرات تعين المحتاج و إلى فضاءات تُنمّي المسؤولية، وتبني المهارة، وتمنح التطوع والعمل الخيري بعدًا معرفيًا وتربويًا. ومن هنا، يمكن لمثل هذه المبادرات أن تفتح مسارات جديدة في تدريب الشباب، وتنظيم العمل المجتمعي، وربط الخير بالتنمية، والعطاء ببناء الإنسان.
بهذا المعنى، تتحول التكية من مكان لتقديم الوجبات إلى مساحة لصناعة الأثر، ومن استجابة مرحلية إلى مشروع اجتماعي قابل للاستمرار والتراكم. وهنا تتجلى الرسالة الأوسع: أن العمل الخيري في الأردن يتجاوز العمل اللحظي و الاستجابة الظرفية، ليكون جزء من هوية مجتمع يعرف كيف يصون الإنسان، ويحوّل التضامن إلى ممارسة، والرحمة إلى مؤسسة، والخير إلى سلوك عام.
وإذا كانت السلط قد حفظت عبر تاريخها صورة المدينة المتآلفة، فإن مثل هذه المبادرات تعيد تأكيد أن الأردن، في جوهره، مدرسة في التكافل، ونموذج في تحويل القيم إلى أفعال. ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع: أفرادًا ومؤسسات وشبابًا ومتطوعين، كي يتكاتفوا في دعم هذه الأعمال، وتوسيع أثرها، وصون دورها في إعادة رسم هوية المجتمع الأردني، هوية لا تعرف إلا الخير، ولا يثبت تاريخها إلا أنها كانت وما تزال وطنًا يعلّم العالم معنى التآزر والرحمة.




