الدكتور نسيم أبو خضير
ليسَ العَلَمُ مُجَرَّدَ قِطْعَةِ قِمَاشٍ ، تُرْفَعُ عَلَى سَارِيَةٍ ، بَلْ هُوَ قِصَّةُ وَطَنٍ ، وَنَبْضُ شَعْبٍ ، وَمِرْآةُ كَرَامَةٍ تَتَجَلَّى فِي أَلْوَانٍ تَحْمِلُ مَعَانِي التَّارِيخِ ، وَرُوحَ التَّضْحِيَةِ ، وَعَزِيمَةَ البِنَاءِ . فَإِذَا إرْتَفَعَ العَلَمُ خَفَّاقًا فِي السَّمَاءِ ، إرْتَفَعَتْ مَعَهُ الهَامَاتُ فَخْرًا ، وَإمْتَلَأَتِ القُلُوبُ وَلَاءً وَإنْتِمَاءً .
إِنَّ العَلَمَ الأُرْدُنِيَّ لَيْسَ رَمْزًا شَكْلِيًّا ، بَلْ هُوَ مِيثَاقُ شَرَفٍ بَيْنَ الوَطَنِ وَأَبْنَائِهِ ، يَجْمَعُهُمْ تَحْتَ رَايَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَيُذِيبُ الفَوَارِقَ بَيْنَهُمْ ، لِيَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا فِي مَيْدَانِ البِنَاءِ وَالعَطَاءِ . وَفِي يَوْمِ العَلَمِ ، نُجَدِّدُ العَهْدَ مَعَ الوَطَنِ ، وَنُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ الَّتِي نَرْفَعُهَا ، قَدْ رُوِيَتْ بِتَضْحِيَاتِ الآبَاءِ وَالأَجْدَادِ ، وَأَنَّ الحِفَاظَ عَلَيْهَا عَالِيَةً خَفَّاقَةً وَاجِبٌ لا يَقْبَلُ التَّقْصِيرَ أَوِ التَّفْرِيطَ .
وَمِنْ مَنْظُورٍ دِينِيٍّ عَظِيمٍ ، كَانَتِ الرَّايَةُ فِي التَّأرِيخِ الإِسْلَامِيِّ رَمْزًا لِلوَحْدَةِ وَالثَّبَاتِ ، فَقَدْ كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْمِلُ مَعَانِي النَّصْرِ وَالعِزَّةِ ، وَتُرَافِقُ المُسْلِمِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ وَفُتُوحَاتِهِمْ ، تَرْفَعُ مَعْنَوِيَّاتِهِمْ وَتُوَحِّدُ صُفُوفَهُمْ عَلَى الحَقِّ .
وَفِي غزوة مؤتة ، تَتَجَلَّى أَعْظَمُ مَعَانِي الفِدَاءِ لِلرَّايَةِ ، حِينَ حَمَلَهَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ جعفر بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَاتَلَ دُونَهَا بِشَجَاعَةٍ نَادِرَةٍ ، فَلَمَّا قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى ، حَمَلَهَا بِاليُسْرَى ، فَلَمَّا قُطِعَتْ ، ضَمَّهَا إِلَى صَدْرِهِ بِعَضُدَيْهِ ، لِتَبْقَى الرَّايَةُ مَرْفُوعَةً لا تَسْقُطُ . وَكَأَنَّ هَذَا المَشْهَدَ الخَالِدَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الرَّايَةَ لا تُسَلَّمُ ، وَأَنَّ الدِّفَاعَ عَنْهَا شَرَفٌ يَفُوقُ الحَيَاةَ نَفْسَهَا .
إِنَّ العَلَمَ رَمْزُ الدَّوْلَةِ وَكَرَامَتِهَا ، وَهُوَ عُنْوَانُ سِيَادَتِهَا ، وَصُورَةُ وَحْدَتِهَا ، فَلا بُدَّ أَنْ يَبْقَى عَالِيًا شَامِخًا ، يَرْفُرِفُ فِي الأَعَالِي ، لا يَنْحَنِي لِرِيحٍ ، وَلا يَخْضَعُ لِتَحَدٍّ . وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا ، أَنْ نَصُونَهُ بِأَفْعَالِنَا قَبْلَ أَقْوَالِنَا ، وَأَنْ نَغْرِسَ مَعَانِيَهُ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِنَا ، لِيَكْبَرُوا وَهُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ خَلْفَ هَذِهِ الرَّايَةِ وَطَنًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ ، وَأَنْ يُصَانَ ، وَأَنْ يُفْدَى .
فَلْنَرْفَعْ عِلْمَنَا الأردني عَالِيًا ، لا بِالأَيْدِي فَحَسْبُ ، بَلْ بِالعَمَلِ وَالإِخْلَاصِ ، بِالوَحْدَةِ وَالتَّكَاتُفِ ، لِيَبْقَى بعون الله خَفَّاقًا فِي السَّمَاءِ ، شَاهِدًا عَلَى شَعْبٍ لا يَعْرِفُ إِلا العِزَّةَ ، وَلا يَقْبَلُ إِلا أَنْ يَكُونَ فِي القِمَمِ .



