الدكتور
محمد تيسير الطحان
قد
تبدو هذه العبارة من النظرة الأولى غريبة في البداية، لان الغش ليس شيئا يتمناه
الانسان، ولا تجربة يرحب بها القلب ، فهو يوجع ويكسر الثقة ويهز الصورة التي كنا
نرسمها للأشخاص المقربين منا وللحياة أيضا .. لكن مع الوقت، وبعد هدوء الالم،
نكتشف ان في هذا الغش درسا لا تمنحه لنا الايام السهلة، ولا تعلمنا اياه الكلمات
الجميلة، نكتشف ان الغش رغم قسوته قد يكون من اكثر الاشياء التي تجعلنا نرى الحياة
بواقعية.
قبل
الغش، نعيش غالبا بقلوب مفتوحة، ونوايا صافية، ونظرة تميل الى حسن الظن نصدق بسهولة، ونعطي دون حساب، ونرى الناس كما
نحب ان يكونوا، وليس مثل ماهم في الحقيقة
ونضع ثقتنا في اماكن كثيرة، ونبني تصورات جميلة عن العلاقات والمواقف والوعود...
لكن عندما نتعرض للغش، تتغير هذه النظرة كلها لا لاننا اصبحنا سيئين، بل لاننا بدأنا نفهم
الواقع كما هو، لا كما كنا نتمنى .
الغش
لا يعلمنا الكراهية، بل يعلمنا الوعي يعلمنا ان ليس كل ابتسامة صادقة، ولا كل قرب
يعني الوفاء، ولا كل كلمة جميلة تحمل نية نظيفة ويجعلنا نعيد النظر في كثير من
الاشياء، ونفهم ان الحياة لا تسير دائما على صفاء القلب وحده.. هناك حقائق لا
يكشفها لنا الا الوجع، ودروس لا تدخل العقل الا بعد صدمة تهز الداخل
بعد
الغش، يصبح الانسان اكثر هدوءا في حكمه، واكثر انتباها في ثقته، واكثر واقعية في
نظرته للناس. لا يعود يندفع كما كان، ولا يصدق كما كان، ولا يعلق قلبه بكل شيء كما
كان في السابق وربما يراه البعض قد تغير،
لكنه في الحقيقة لم يتغير نحو الاسوأ، بل نضج .. اصبح يرى الحقيقة دون زينة، ويفهم
ان ليس كل ما يلمع صادقا، وليس كل من اقترب يستحق البقاء .
لهذا،
قد يكون اجمل ما في الغش انه يوقظنا يخرجنا من وهم الصورة المثالية، ويضعنا امام
الحياة بوجهها الحقيقي. نعم، هو مؤلم، واحيانا يترك اثرا لا يزول بسهولة، لكنه
ايضا يمنحنا بصيرة لا تأتي من الراحة يجعلنا اقوى، لا بمعنى اننا لم نعد نشعر، بل
بمعنى اننا اصبحنا نفهم اكثر، ونختار بحذر، ونمنح ثقتنا لمن يستحقها فعلا.




