المحامي إبراهيم المقيبل / عضو مجلس محافظة المفرق الأول
تشكل مسودة قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 واحدة من أهم مشاريع التحديث الإداري في الأردن، لما تتضمنه من إعادة تنظيم لهياكل الإدارة المحلية، وتوسيع لدور البلديات ومجالس المحافظات، وإدخال مفاهيم حديثة كالتحول الرقمي، والحوكمة، والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار المحلي، والشراكة مع القطاع الخاص.
ورغم ما تحمله المسودة من توجهات إيجابية تعكس رغبة واضحة في تطوير الإدارة المحلية، إلا أن القراءة القانونية المتأنية تكشف عدداً من الملاحظات الجوهرية التي تستحق المعالجة لضمان تحقيق الغاية الأساسية من اللامركزية، والمتمثلة في توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز الاستقلال الإداري والمالي للوحدات المحلية.
أولاً: استمرار هيمنة المركز على الإدارة المحلية
رغم منح المجالس البلدية ومجالس المحافظات صلاحيات أوسع مقارنة بالتشريعات السابقة، إلا أن المسودة ما تزال تمنح السلطة التنفيذية المركزية نفوذاً واسعاً على هذه المجالس، سواء من خلال صلاحية حل المجالس قبل انتهاء مدتها، أو اشتراط موافقات مسبقة من الوزير أو مجلس الوزراء في العديد من القرارات الجوهرية، أو عبر الرقابة الواسعة على القرارات المالية والتنظيمية.
وهذا التوسع في الرقابة المركزية قد يفرغ مفهوم اللامركزية من مضمونه الحقيقي، خاصة أن الإدارة المحلية الحديثة تقوم على منح الوحدات المحلية استقلالاً نسبياً يمكنها من اتخاذ القرار وفق احتياجات المجتمع المحلي.
ثانياً: الإفراط في الإحالة إلى الأنظمة والتعليمات
من أبرز الملاحظات على المسودة التوسع الكبير في إحالة العديد من المسائل الجوهرية إلى أنظمة وتعليمات لاحقة، مثل:
تنظيم الهيكل الإداري للبلديات.
شروط تعيين المدير التنفيذي وصلاحياته.
تنظيم لجان الأحياء والمشاركة المجتمعية.
آليات الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص.
تقسيم الدوائر الانتخابية وإجراءات الانتخابات.
تفاصيل الرقابة المالية والإدارية.
وهذا النهج قد يضعف الاستقرار التشريعي ويمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة للتعديل دون العودة إلى السلطة التشريعية، رغم أن الأصل أن ينظم القانون ذاته الأحكام الأساسية والضمانات الجوهرية.
ثالثاً: غموض العلاقة بين المجلس البلدي والمدير التنفيذي
استحدثت المسودة منصب "المدير التنفيذي” ومنحته صلاحيات واسعة بصفته رئيس الجهاز التنفيذي والإداري وآمر الصرف، في مقابل دور رقابي وتشريعي للمجلس البلدي.
إلا أن المسودة لم تضع حدوداً دقيقة للفصل بين الصلاحيات السياسية للمجلس والصلاحيات التنفيذية للمدير التنفيذي، كما لم تنظم بشكل واضح آلية حسم الخلافات بينهما، الأمر الذي قد يؤدي إلى ازدواجية في القرار الإداري وتعطيل العمل البلدي.
رابعاً: ملاحظات على تشكيل المجالس وآليات التمثيل
رغم حرص المسودة على توسيع التمثيل داخل مجالس المحافظات، إلا أن تشكيل هذه المجالس جاء قائماً بدرجة كبيرة على التمثيل المؤسسي والنقابي، وليس على الانتخاب المباشر، مما قد يضعف الشرعية الشعبية والمساءلة الديمقراطية.
كما أن تعدد الجهات الممثلة داخل المجلس قد يؤدي إلى تضارب الأولويات وبطء اتخاذ القرار، خصوصاً في الملفات التنموية والخدمية.
خامساً: ضعف الضمانات المتعلقة بالشفافية والمساءلة
رغم تضمين المسودة لمفاهيم الحوكمة والشفافية، إلا أن النصوص المتعلقة بالرقابة المجتمعية ما تزال محدودة، إذ لم تتضمن إلزاماً واضحاً بـ:
نشر محاضر الجلسات وقرارات المجالس.
نشر العقود والاستثمارات الكبرى.
الإفصاح عن تضارب المصالح.
تمكين المواطنين من الاعتراض أو الطعن ببعض القرارات المحلية.
تعزيز الرقابة الشعبية والإعلامية على أعمال المجالس.
وبقيت الرقابة في معظمها ذات طابع إداري مركزي أكثر من كونها رقابة مجتمعية تشاركية.
سادساً: الاستثمار البلدي والشراكة مع القطاع الخاص
توسعت المسودة في منح البلديات ومجالس المحافظات صلاحيات الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، وهو توجه إيجابي إذا أحسن تنظيمه، لما قد يوفره من موارد مالية وفرص تنموية.
إلا أن النصوص الحالية ما تزال بحاجة إلى ضمانات أوضح تتعلق بحماية المال العام، ومنع تضارب المصالح، وضمان العدالة والشفافية في العطاءات والاستثمارات، ومنع تحميل المواطنين أعباء مالية غير مبررة نتيجة بعض المشاريع الاستثمارية.
سابعاً: التحول الرقمي والخدمات الإلكترونية
تحسب للمسودة مواكبتها للتحول الرقمي من خلال التوسع في الخدمات الإلكترونية وإدارة البيانات والتخطيط الذكي، وهو اتجاه ضروري لتطوير الإدارة المحلية ورفع كفاءة الخدمات وتقليل البيروقراطية.
غير أن نجاح هذا التوجه يبقى مرتبطاً بتوفير البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الكوادر، وضمان حماية البيانات وخصوصية المواطنين.
ثامناً: لجان الأحياء والمشاركة المجتمعية
أعطت المسودة اهتماماً جيداً لفكرة لجان الأحياء والمشاركة المجتمعية، باعتبارها أداة لتعزيز التواصل بين المواطن والإدارة المحلية.
لكن تنظيم هذه اللجان تُرك إلى أنظمة وتعليمات لاحقة دون تحديد واضح لطبيعتها القانونية أو آليات تشكيلها وصلاحياتها، الأمر الذي قد يحد من فاعليتها ويجعلها أقرب إلى الأطر الشكلية.
تاسعاً: الجوانب الإيجابية في المسودة
ورغم الملاحظات السابقة، فإن المسودة تتضمن جوانب إيجابية مهمة، أبرزها:
تعزيز مفهوم التخطيط الاستراتيجي والتنمية المحلية.
دعم التحول الرقمي والخدمات الإلكترونية.
توسيع مفهوم الحوكمة والإدارة المؤسسية.
دعم مشاركة المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.
تعزيز الاستثمار المحلي وتنمية الموارد البلدية.
تحديث البنية التنظيمية للإدارة المحلية.
محاولة رفع كفاءة العمل البلدي وتقليل الترهل الإداري.
إن نجاح أي قانون للإدارة المحلية لا يقاس فقط بحجم الصلاحيات الممنوحة للمجالس، وإنما بمدى تحقيقه للتوازن بين الاستقلال المحلي والرقابة المشروعة، وبين الكفاءة الإدارية والمشاركة الديمقراطية.
وعليه، فإن مسودة قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 تمثل خطوة تشريعية متقدمة تستحق التقدير، إلا أنها ما تزال بحاجة إلى مراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالاستقلال المؤسسي، وتحديد الصلاحيات، والشفافية، والرقابة، بما يضمن بناء إدارة محلية أكثر فاعلية واستقراراً وقرباً من المواطن، ويحقق فلسفة اللامركزية بوصفها شراكة حقيقية في صنع القرار التنموي والخدمي.




