شتت صفهم وفرق جمعهم...
القلعة نيوز -ابراهيم أبو حويلة
الأمم التي تصنع التاريخ ليست أكثر عددا ولا مواردا، ولكنها تلك الأمم التي إنضبطت لهدف، وسعت برؤيا لخدمة قضية مشتركة وفق بوصلة محددة، وتلك الصورة التي رسمها فلم الرسالة لمجموعة من الصحابة يجدون في العمل والإنجاز وهم ينتظرون قدوم الرسول صل الله عليه وسلم إلى المدينة صحيحة تماما، البوصلة متجهة تماما نحو الهدف ، ويتحكم في هذه البوصلة مجموعة من العناصر الواضحة التي تحدد المطالب، وآلية تحقيقها، ووسائل الضغط التي يجب ممارستها. ومن هو المستهدف من هذه الاجراءات، والأهم متى نتوقف ، وهنا أتكلم عن المجتمع الذي يوحده الهدف وتحكمه القيادة وتوجهه إستراتيجة نحو هدف، هو محصلة القوى لكل الجهود العاملة في هذه الكتلة الحيوية من البشر، وعندها يستطيع هؤلاء البشر تحقيق اهدافهم كما حدث مع المسلمين وغيرهم من الرومان وجنكيز خان والصهاينة والأمريكان.
هل نعاني من فقدان البوصلة، واختلاط الأهداف. نهاجم المنظومة كاملة، ولا نرى الإنجازات، ونتهم الجميع بالفساد، واختلط الحابل بالنابل، واختلط الأمر علينا. هل حقا الجميع فاسدون، شركاء في مؤامرة كونية تستهدف وجودنا، وأن هذا أمر سوف يأكل الأخضر واليابس ويتحقق بأي شكل، عذرا فهذه الأمة تتعرض للمكائد والمؤامرات من أول يوم، ولكنها لا تزال صامدة لما تتمتع به هذه الأمة من مقومات جغرافية وسكانية وعقدية وتاريخية. وهناك أيضًا فئة تصل الليل بالنهار ليقوم بعمله، وهناك في المقابل فئة أخرى تجلس في الظلام تنتظر كل فرصة لتحقيق مكسب أو منفعة. وهذا يشترك مع تلك الفئة التي تريد شيطنة الجميع، فهما من عناصر الهدم والنخر في جسد الأمة.
وفي المقابل، هناك من يتبنى دعوات تفرق ولا تجمع، ويظهر فيها جاهلية، وينسى أو يتناسى: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟»، و«لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي». وأن الأصول والفروع لا تبني الأوطان، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما قدم إلى المدينة، سعى لتوحيد الموقف والصف، ووضع وثيقة المدينة. وهذه الوثيقة تجعل الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، إلا في جزء يسير جدًا. وأظن أن هذا الدرس ليس لنا فقط؛ ولكن للأمم من حولنا، فالغرب وظفه توظيفًا قويا لصالحه، وجعل الجهود والطاقات والقدرات في سبيل خدمة المجتمع ورفاهية الأوطان. ومن هنا تجد أن هذا التفاضل المبني على العطاء والانتماء بما يقدم الإنسان هو ما يبني في الحقيقة الأوطان، وأن التفاضل المبني على الامتيازات والتصنيفات يخلق مشاكل حتى في الصف الواحد وفي الفئة الواحدة. ولا يجمع ولا يعطي كل واحد ما يريد، وهو طريق الفرقة والدمار حتى على مستوى النخب والفئات الحاكمة.
التاريخ يخبرنا أن الأحوال تتغير وهناك دوران دائم، وأن الله يرفع أقوامًا ويخفض آخرين. ومن كان حاكمًا بالأمس، أين هو اليوم؟ في فرنسا وألمانيا وروسيا، والحكام المغول المسلمون في الهند، أين السلاطين العثمانيون؟ أين صدام؟ وأين القذافي؟ وأين بن علي وبن صالح؟ وأين وأين...
إذا أردنا حقوقًا لفئة أو طائفة أو جنس هنا، ونريد لها أن تكون دائمة، فلنحرص على أن تكون هذه الحقوق للأمة ولرفعة الأمة، والسعي لإحقاق حق المواطن وكرامته في أي موقع كان، وفي كل معاملة ومراجعة ومعالجة. عندها ربما تكون هذه أنانية، ولكن من نوع آخر؛ لأننا نضمن الحق والعدالة والمساواة لأبنائنا وأحفادنا وذرياتهم من بعدهم. وإذا جعلنا نيتنا هنا أن يعمّ الخير فيشمل الجميع، ربما تعود علينا هذه النية بالخير، وتعود للأمة أمجادها. ونقول للذين يكرهون الخير للغير، ويريدون أن يقاسي الجميع ما قاسوه هم من المعاناة، ولا يسعون لتغيير الواقع: لقد خسرتم، وفازت الأمة. وهكذا لن نكره بعضنا، وهكذا لن نخسر ثقتنا ببعضنا، ولن يلعن بعضنا بعضًا، وسيأمن بعضنا بعضًا، وهكذا ربما لن نظل في ذيل الأمم.
ونعرف ان الذي يسعى لتشتيت الشمل وتفريق الجمع وضياع الهدف يخدم من، ومن يحاول العكس قد يتقدم في المرتبة قليلًا، وقد يستطيع تحرير نفسه، وبعد ذلك قد يحرر أمة ومقدساتها.
إبراهيم أبو حويله...




