شريط الأخبار
ضبط نحو ألف متسول في الأردن خلال شهر الصفدي يطالب بانسحاب اسرائيل من كل شبر في لبنان البلبيسي: خبراء اقتصاديون سيقدموا المساعدة اللازمة للوزارات الخارجية الإيرانية: لم يُحدد موعد للجولة المقبلة من المفاوضات الأردن يدين الاعتداء الكتيبة الفرنسية في لبنان وزارة الثقافة تنظم ندوة حول السردية الأردنية في جامعة مؤتة الثلاثاء "iCAUR" تجمع شركاءها العالميين في قمة الأعمال الدولية 2026 بالصين ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72549 منذ بدء العدوان الإسرائيلي العراق سيستأنف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام رويترز: سفينتان تتعرضان لإطلاق نار أثناء عبورهما مضيق هرمز مفاوضات صفقة واشنطن .. 20 مليار دولار مقابل يورانيوم طهران سكة حديد العقبة .. مشروع استراتيجي يضع الأردن على خريطة النقل والتجارة الدولية خبراء: نظافة المواقع السياحية والأثرية وعيٌ يصون المكان ويعمق الانتماء الوطني عالم أردني يفوز بجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي اليونيسيف: نيران إسرائيلية أودت بحياة سائقي شاحنتين لنقل المياه في غزة تجارة عمان: فتح مضيق هرمز سينعكس على أسعار السلع السلط: تكريم الطلبة الفائزين بمسابقة أجمل لوحة ومجسم للعلم الأردن وسوريا ... خطوات كبيرة نحو شراكة اقتصادية أكثر عمقا استـقـرار أسـعـار الذهـب فـي الأردن.. وعيـار 21 يـسـجل 98.4 دينـار للغرام إيران: اليورانيوم المخصب لن ينقل إلى أي مكان

الفكر المسلوب وأثره على بناء المؤسسات : أخلاقيات العمل العام

الفكر المسلوب وأثره على بناء المؤسسات : أخلاقيات العمل العام
المهندس عبدالرحمن حسن الصقور

في لحظة التأمل العميق ليلة أمس لمسار بناء الدول ادركت أن الفارق الحقيقي ما بين دولة تنهض وأخرى تتعثر لا يكمن فقط في الموارد أو الإمكانات بل في الكيفية التي تدار بها العقول وتصان بها الأفكار ويحترم بها أصحاب المبادرات فالفكرة ليست مجرد ومضة ذهنية عابرة بل هي نواة مشروع وبداية تحول وأداة تغيير قد تعيد رسم ملامح مؤسسة أو حتى وطن بأكمله لان الفكره لا تموت ومن هنا فإن المساس بهذه الفكرة أو سلبها من صاحبها لا يعد تجاوز عابر فحسب بل يشكل خلل عميق في منظومة أخلاقيات العمل العام

لان الفكر المسلوب ظاهرة تتجاوز حدود الخطأ الفردي لتلامس بنية الثقافة بالمؤسسة ذاتها فهي لا تقتصر على سرقة فكرة وإعادة تقديمها بل تمتد لتشمل تهميش المبدعين وإقصاء أصحاب الفكر والرؤى وإضعاف دور العقول القادرة على إحداث الفرق وفي ظل هذه البيئة يتحول الإبداع إلى مخاطرة والمبادرة إلى عبء ويصبح الصمت خيار أكثر أمان من التعبير

ولعل من أكثر الصور تعبير عن هذا الخلل البنيوي في عالمنا العربي المقولة التي تختصر الواقع بمرارة إن أي بلد عربي ينقسم إلى قسمين الى الذين يملكون ولا يعرفون و إلى الذين يعرفون ولا يملكون وهنا لا اتحدث عن المال بل عن الفكر والسلطة
وهذا الانقسام لا يعكس فقط فجوة في توزيع الأدوار بل يجسد انفصال خطير بين مصدر الفكرة ومركز القرار فحين تنتج العقول خارج دوائر التأثير وتدار المؤسسات بعيد عن أهل المعرفة فإن النتيجة تكون مؤسسات تدار شكليا وتنتج قرارات تفتقر إلى العمق والاستدامة

وان خطورة الفكر المسلوب تكمن في اثاره التراكمية التي لا تظهر دفعة واحدة بل تتسلل تدريجيا إلى جسد المؤسسة ففي البداية قد ينظر إلى الأمر كحالة فردية أو سلوك عابر لكن مع تكراره يتحول إلى نمط ثم إلى ثقافة ثم إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم العمل وعند هذه المرحلة يصبح الإبداع استثناء والنسخ هو القاعدة وتفقد المؤسسة قدرتها على التجدد

وعلى المستوى الفردي يولد سلب الفكر حالة من عدم الثقه والاحباط العميق لدى أصحاب الفكر والمبادرات فالمبدع بطبيعته لا يبحث عن العائد المادي بل عن التقدير المعنوي وعن الاعتراف بجهده وبأن تحدثت فكرته أثر حقيقي يطبق على أرض الواقع وحين يحرم من هذا الحق تتاكل دافعيته وقد يتحول من عنصر فاعل إلى موظف يؤدي الحد الأدنى أو يختار الانسحاب الكامل من بيئة لا تقدر فكره

اما على المستوى المؤسسي فان الاثر يكون أكثر خطورة وتعقيد فالمؤسسة التي تهمل أصحاب الفكر أو تسمح بالاستحواذ على أفكارهم تفقد تدريجيا قدرتها على الابتكار وتتحول إلى كيان بيروقراطي يعيد إنتاج ذاته ويعتمد على الحلول الجاهزة ويدار بعقلية ادارة الأزمة بدل صناعة الفرص وفي مثل هذه البيئة لا يكون التقدم مستحيلا لكنه يصبح بطيئا هشا ومعتمد على عوامل خارجية أكثر من كونه نابعا من الداخل

ومن زاوية أخلاقيات العمل العام فان هذه الظاهرة تعد اختبار حقيقي لمدى التزام المؤسسات بقيمها فالامانة هنا لا تعني فقط الحفاظ على المال العام بل تشمل أيضا حفظ الحقوق الفكرية والاعتراف بالجهد وعدم استغلال الموقع الوظيفي للاستحواذ على إنجازات الاخرين كما أن العدالة لا تقتصر على توزيع الفرص بل تمتد إلى انصاف العقول ومنح كل ذي حق حقه

كما ان بناء منظومة أخلاقية سليمة داخل المؤسسات يتطلب أكثر من مجرد نصوص أو تعليمات فهو يحتاج إلى إرادة قيادية واعية تدرك أن حماية الفكر هي استثمار في المستقبل قيادة تؤمن أن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد المشاريع المنفذة بل بجودة البيئة التي انجزت فيها وبقدرتها على الاستمرار والتطور

ومن هذا السياق تبرز أهمية اعادة تعريف العلاقة بين الفكر والسلطة فالمطلوب ليس فقط أن تصل الأفكار إلى صانع القرار بل أن يكون صانع القرار نفسه منفتح على الفكر وقادر على استيعابه ومؤمن بقيمته كما أن تمكين أصحاب الأفكار من المشاركة في التنفيذ يعد خطوة أساسية لضمان ان تبقى الفكرة حية وأن لا تتحول إلى مجرد عنوان يستخدم دون مضمون

واعتقد أنه من الأدوات العملية لمعالجة هذه الظاهرة تطوير أنظمة مؤسسية واضحة لتوثيق الافكار والمبادرات بحيث يحفظ لكل فكرة تاريخها وصاحبها إضافة إلى بناء اليات تقييم تعتمد على الانجاز الحقيقي لا على الظهور أو العلاقات وكذلك تعزيز ثقافة العمل الجماعي التي تشجع على تبادل الافكار دون أن تلغي الحقوق الفردية أو تذيب الهوية الفكرية وخاصة في مؤسسات المجتمع المدني والعمل التطوعي

كما أن تعزيز الشفافية داخل المؤسسات يسهم بشكل كبير في الحد من سلب الفكر فكلما كانت الإجراءات واضحة والقرارات مبررة والمساءلة قائمة تقلصت فرص الاستحواذ غير المشروع وازدادت ثقة العاملين بأن جهودهم لن تضيع

وفي نهاية المطاف اعتقد جازما بل ازعم ان القضية ليست فقط في حماية فكرة بل في حماية منظومة كاملة من القيم التي تشكل أساس العمل العام فالمؤسسات لا تنهض فقط بالقوانين بل بالاخلاق التي تحرك هذه القوانين وإذا كانت القوانين تحدد ما هو مسموح فان الاخلاق تحدد ما هو صحيح

كما يمكن القول إن معركة بناء الدولة تبدا من احترام الفكرة وصون صاحبها وربط الفكر بالسلطة في علاقة تكامل لا تناقض فالمؤسسة التي تكرم عقول أبنائها وتتيح لهم مساحة للإبداع والتأثير لانها هي المؤسسة القادرة على تحقيق التنمية المستدامة أما المؤسسة التي تسمح بسلب الفكر فإنها تفرط باهم مواردها وتعيق مسارها نحو التقدم

لان المستقبل لا يبنى بما نملكه من موارد فقط بل بما نحميه من أفكار وبما نحسن استثماره من عقول وبين بيئة تنصف الفكر واخرى تهمله يتحدد مصير المؤسسات ويرسم طريق الدول نحو الازدهار أو التراجع